وضعوا إيمانهم وعقيدتهم الإسلاميّة جانبًا وراحوا يقرؤون ويكتبون بمعزل عنها. فممّا يقوله"محمّد عبد الهادي أبو ريدة"مثلًا، في مقدّمة تعريبه لكتاب"آدم متز" «الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجريّ» : «كما أنّ حضارة عصر النهضة في أوروبّا كانت قائمة على إحياء الحضارة القديمة في نواح كثيرة ومقترنة بميلاد القوميّات وتجزّؤ الدولة الواحدة الّتي قام عليها بناء العصر الوسيط في أوربّا إلى دول صغيرة، فكذلك كانت حضارة الإسلام بوجه عامّ متّصلة بإحياء ثقافات وحضارات متقدّمة عليها» (1) . ويرى"أحمد أمين" «أنّ الثقافة اليونانيّة كانت منتشرة في العراق والشام والإسكندريّة، وأنّ المدارس انتشرت فيها على يد السريانيّين، وأنّ هذه المدارس وهذه التعاليم أصبحت تحت حكم المسلمين، وامتزج هؤلاء المحكومون بالحاكمين، فكان من نتائج هذا أن تشعّبت هذه التعاليم في المملكة الإسلاميّة، وتزاوجت العقول المختلفة كما تزاوجت الأجناس المختلفة، فنتج من هذا التزاوج الثقافة العربيّة أو الإسلاميّة» (2) . كما يرى أنّ «العادات الفارسيّة والرومانيّة امتزجت بالعادات العربيّة، وقانون الفرس والقانون الرومانيّ امتزجا بالأحكام الّتي أوضحها القرآن والسنّة، وحِكَم الفرس وفلسفة الروم امتزجت بحِكَم العرب، ونمط الحكم الفارسيّ ونمط الحكم الرومانيّ امتزجا بنمط الحكم العربيّ، وبالإجمال كلّ مرافق الحياة والنظم السياسيّة والاجتماعيّة والطبائع العقليّة تأثّرت تأثّرًا كبيرًا بهذا الامتزاج. وإذ كانت الأمم المفتوحة أرقى من العرب مدنيّة وحضارة وأقوى نظمًا اجتماعيّة كان من الطبيعيّ أن تسود مدنيّتهم وحضارتهم ونظمهم، وإذ كان العرب هم العنصر القويّ الفاتح عدّلوا هذه النظم بما يتّفق وعقليّتهم ، فسادت في البلاد المفتوحة
(1) 1- آدم متز - الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجريّ - تعريب: محمّد عبد الهادي أبو ريدة - ج1 - ص 12
(2) 2- فجر الإسلام - ص 132