إنّ هذه النظرة من المؤرِّخين الغربيّين إلى الحضارة الإسلاميّة ونشوئها ليست مدعاة للاستغراب. فلقد اعتاد هؤلاء منذ عصر النهضة الأوربّيّة على الفصل بين الدراسات التاريخيّة والدراسات الدينيّة، حتّى فيما يتعلّق بدراسة تاريخ الشعوب المسيحيّة، باعتبار أنّ الدراسات التاريخيّة تعتمد البحث العقليّ المجرّد، بينما يتعذّر إخضاع الدراسات الدينيّة للعقل. فالعقل والدين نقيضان، ولا يمكن الجمع بينهما على نحو متوافق منسجم. وإذا تكلّم المؤرِّخون الغربيّون عن المسيحيّة ومعتقداتها على نحو يوحي بالتسليم بها، فإنّ ذلك يكون على سبيل المجاز أو الأسلوب الأدبيّ الّذي يعتمد تصوير معتقدات الناس وأوهامهم وأساطيرهم بصيغة السرد التاريخيّ الّذي يحقّ للقارئ قبوله أو رفضه. ولا ننس أنّ المؤرّخ الغربيّ هو ابن بيئته ومجتمعه، وبالتالي فإنّه للعديد من الأسباب سيجد نفسه متورّعًا عن استفزاز العقليّة والذاكرة التاريخيّة لذلك المجتمع. وبطبيعة الحال، حين ينظر المؤرخ الغربيّ إلى التاريخ الإسلاميّ، فإنّه تلقائيًّا سيطبّق قاعدته هذه عليه، فلا يقيم وزنًا للدين الإسلاميّ بوصفه وحيًا نزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، وبالتالي فالحضارة الّتي شهدها التاريخ الإسلاميّ ما هي في نظره إلاّ وليدة الواقع التاريخيّ الماضي والمعاصر، مع فارق أنّ ذلك المؤرّخ سيشعر بالمزيد من الحرّيّة في إطلاق أحكامه على تاريخ مجتمع لا ينتمي إليه، ولا سيّما إذا كان هذا المجتمع هو الأمّة الإسلاميّة. إلاّ أنّ المستغرب هو أن يجري بعض المؤرِّخين والكتّاب المسلمين مجرى هؤلاء الغربيّين، في الفصل بين الدراسات التاريخيّة والدين، على نحو يؤدّي إلى إظهارهما شيئين متناقضين. فيتغاضون أثناء دراستهم للحضارة الإسلاميّة عن فعل الوحي الإلهيّ في تكوين الحضارة الإسلاميّة ودوره في تشكيل المجتمع الإسلاميّ. فدراستهم للتاريخ الإسلاميّ والحضارة الإسلاميّة توحي بأنّهم