فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 301

ويظنّ كثير من الباحثين، حين يسلّطون الأضواء على تلك الجوانب المدنيّة في تاريخ المجتمع الإسلاميّ متغافلين عن الجانب الثقافيّ الفكريّ والتشريعيّ، أنّهم يمدحون الحضارة الإسلاميّة ويعلون شأنها وأنّهم يُسدون إلى الأمّة الإسلاميّة خدمة جليلة بإظهارها مساهِمة في ركب العلوم والعمران والإنجازات التقنيّة والطبيّة والفنيّة وما شاكلها. ولكنّ الأمر في الواقع هو خلاف ذلك. صحيح أنّ هذا الكلام يلفت النظر إلى أنّ الحضارة الإسلاميّة ذات فضل في توجيه الناس إلى عمارة الحياة الدنيا وتسخير المادّة لخدمة الإنسان وإلى اكتشاف أسرار الطبيعة وأخذ متاع الحياة الدنيا ضمن طاعة الله. إلاّ أنّ التركيز على هذا الجانب والتفصيل فيه لا يُعدّ في الحقيقة كلامًا على الحضارة الإسلاميّة بحدِّ ذاتها. بل هو كلام على قطار العلوم والمدنيّة والفنون الّذي انطلق منذ فجر التاريخ البشريّ عابرًا جميع الحضارات والأمم، لتتزوّد كلّ واحدة منها بما تحتاجه أو يلزمها من حمولته، ولتزوِّده هي بدورها بما قامت بإنجازه وابتكاره. فكان أن جاء دور المجتمع الإسلاميّ حين نهض وازدهر وتألّق على أساس الحضارة الإسلاميّة، فوجب على ذلك القطار المرور في أراضيه ليزوِّده بما يلزمه ويحتاج إليه ويزخرف جوانبه ويزيده تألّقًا، ولم يتابع سيره إلاّ وقد زوَّدته تلك الأراضي بمزيد من الحمولة ذات الأصناف الجديدة الّتي لم يكن ليتزوّد بها لولا مروره فيها. ولكن، في كلّ الأحوال سيتابع هذا القطار مسيرته ليزوِّد ويتزوَّد في كلّ محطّاته، ما دام التاريخ، وما دامت الشعوب حيّة على وجه البسيطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت