فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 301

وبتعبير آخر، إنّ الحديث عن المظاهر المدنيّة والعلميّة والفنّيّة في المجتمع الإسلاميّ ليس إلاّ حديثًا عن لَبِنة أو أكثر وضعها المجتمع الإسلاميّ في البنيان المادّيّ الّذي تستهم عليه المجتمعات البشريّة وبالتالي، فإنّ من يسلّط الأضواء على هذه الجوانب دون غيرها، يسهم في الغضّ من شأن الحضارة الإسلاميّة لأنّه يجرّدها من نتاجها الخاصّ الخالص وثمارها المتميّزة الّتي لأجلها عُدّت حضارة قائمة بذاتها.

إذن، فالحديث عن الحضارة الإسلاميّة هو حديث عن شيء آخر. فالحضارة هي مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة الّتي تصوغ المجتمع وتميّزه بنمط خاصّ من العيش، وبالتالي فإنّ الحضارة الإسلاميّة هي مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة الّتي صاغت المجتمع الإسلاميّ وجعلت منه مجتمعًا ذا طراز خاصّ ونمط متميّز. وعليه فإنّ مضمون الحضارة الإسلاميّة يتمثّل في مجموعة العقائد والإيمانيات والمفاهيم الأساسيّة الّتي تشكّل النظرة إلى الحياة الدنيا وما قبلها وما بعدها، وفي المفاهيم عن القيم الكبرى في الحياة، وفي مفاهيم السعادة والخير والشرّ والفضيلة والرذيلة، ومقياس الأعمال من حلال وحرام، والمعايير السلوكيّة الّتي توجّه طبيعة العلاقات في المجتمع، وفي الأنظمة الّتي تُرعى بها شؤون الناس، من نظام حكم يحدّد طبيعة الدولة والأسس الّتي تقوم عليها وشكل جهازها الحاكم وعلاقة الحكّام بالمحكومين، ومن نظام اقتصاديّ يبيّن أنواع الأموال من مشروعة وغير مشروعة ومن ملكيّات خاصّة وعامّة وكيفيّة الحصول على المال وكيفيّة إنمائه ووجوه إنفاقه وموارد الدولة الماليّة ومصارفها... ومن نظام اجتماعيّ ينظّم علاقة الرجل بالمرأة من زواج وطلاق وينظّم شؤون الأسرة من بنوّة ونفقة وولاية وإرث وغيرها، ومن سياسة تربويّة وتعليميّة، ومن أنظمة للمحاكمات والعقوبات، ومن سياسة خارجيّة تحدّد علاقة المجتمع الإسلاميّ بسائر المجتمعات…

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت