فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 301

وعليه، فإنّه لا يعود هناك مكان للكلام عن المصادر التاريخيّة للحضارة الإسلاميّة، أو عن تحرّي المؤثِّرات والعوامل والتلاقحات والتمازجات الحضاريّة الّتي أدّت إلى نشوء الحضارة الإسلاميّة. «فلئن قامت كلّ الحضارات ونشأت رويدًا رويدًا من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيّارات الفكر،واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاصّ وكيانها المحدّد آمادًا طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار. وقد جمعت هذه الحضارة، من فجر نشأتها، كلّ المقوّمات الأساسيّة لحضارة مكتملة شاملة. فقامت في مجتمع واضح المعالم، له نظرته الخاصّة إلى الحياة، وله نظامه التشريعيّ الكامل وله نهجه المحدّد للعلاقات بين الأفراد، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع. ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيارات فكريّة متوارثة. ولكنّ هذه الحضارة كانت وليدة حدث تاريخيّ وهو تنزيل القرآن الكريم … فلقد أدرك الّذين آمنوا بالإسلام واتّبعوا محمّدًا وصدّقوا بالقرآن فاتّخذوه قاعدة حياتهم، أنّ الدين الجديد الّذي جاء به القرآن، يتطلّب منهم هجرة بائنة إلى ما جاءهم به عمّا توارثوه من عقائد في الحياة وما ألِفوه من مناهج السير فيها. فكان قبولهم لما جاء به -وهم أهل بادية- بداية حدث جديد في حياة البشر وتاريخهم، إذ إنّهم أدركوا أنّ الإسلام -وقد جاء نظامًا شاملًا للحياة- قد افتتح حقًّا حضارة جديدة، وما كان دوره ليقتصر على التمهيد لغيره من الحضارات أو الإرهاص بها . فتبيّنوا -كما تبيّن من جاء بعدهم من المؤمنين- أنّ مبعث رسول الله كان إيذانًا ببدء عهد جديد بكلّ ما ينطوي عليه هذا البدء من حقائق ومعان» (1) .

(1) -محمّد أسد وآخرون - الإسلام والتحدي الحضاريّ - ص 19-20

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت