قد ينبري بعض الناس للتحدّث عن الأخلاق والفضائل الّتي استبقى عليها الإسلام من العهد الجاهليّ كالكرم وحسن الضيافة والشهامة والشجاعة والنجدة وما شاكل ذلك، ليدلّل على أنّ الحضارة الإسلاميّة قد تأثّرت بحضارة الجاهليّة أو استمدّت منها. والواقع أنّه كما هي بسيطة هذه الفكرة، فكذلك الجواب عليها في غاية البساطة. فالفضائل الّتي أقرّها الإسلام واستبقى عليها إنّما هي بالدرجة الأولى فضائل وأخلاق إسلاميّة، بمعنى أنّ الإسلام لم يستبْقِها باعتبارها جزءًا من مكّونات المجتمع الجاهليّ، بل شرعها من جديد باعتبارها جزءًا من الإسلام، بحيث أنّه لو لم يصادفها موجودة لشرعها ابتداء. ولو تصوّرنا أنّ الإسلام بُعث في أيّ مجتمع آخر فلربّما صادف فضائل وقيمًا أخرى تتوافق مع ما أتى به من أوامر ونواه. لذلك ينبّه"محمّد أسد"إلى أنّه «يجب علينا أن نتحرّز من أن ينصرف بنا الفكر إلى أنّ هذا القدر الّذي استبقي من حياة الجاهليّة قد تسلّل إلى جوهر عقائد الإسلام وغلب على عقل بني الإسلام، أو أنّ هذا الإبقاء كان إذعانًا من الرسول الكريم لما ساد بلاده وعصره، من تقاليد ومعتقدات، كما يدّعي أهل الغرب ويردّدون في أكثر ما يكتبون» (1) .
وكذلك ما يتحدّث عنه كثير من الغربيّين عن عناصر مشتركة بين الإسلام وأديان أهل الكتاب للتدليل على أنّ الإسلام استمدّ من ثقافتهم ولاهوتهم، يندفع بتأكيد الإسلام أنّ رسالات الأنبياء جميعها مردُّها إلى مصدر واحد، هو الوحي الإلهيّ. فما أتى به الأنبياء من اعتقادات حول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إنّما هو شيء واحد. وأمّا ما أتوا به من توجيهات خلقيّة وتشريعيّة، فمن الطبيعيّ أن يكون هناك تشابه كبير فيما بينه، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، مصداق قوله تعالى: { لكلّ جَعَلْنَا مِنْكُم شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (2) } .
(1) - المرجع السابق - ص 21
(2) - سورة المائدة - الآية 48