«الظاهرة الثانية: أنّه ينهي مديحه وإعجابه بتلك المنجزات الحضاريّة، بطرح السؤال الّذي يحوك وراء صدور جميع المسلمين اليوم، وهو: فلماذا تحجّرت هذه الحضارة اليوم بعد ذلك الازدهار العجيب؟ ليجيب على هذا السؤال قائلًا: إنّه التقوقع على الذات، وعدم الانفتاح على العالم الآخر!... » (1)
الحقيقة أنّ هذه النظرة من هؤلاء المؤرِّخين تعبّر عن الجانب الّذي يستولي على اهتمامهم حين البحث في تاريخ المجتمع الإسلاميّ. فالّذي يسترعي انتباههم بشكل أساسيّ هو الإنتاجات الأدبيّة والفلسفيّة الّتي ظهرت في كنف الدولة الإسلاميّة والّتي أسهم بها عديد الأمم والشعوب واللغات. كما يسترعي انتباههم المستوى المادّيّ والعمرانيّ والمدنيّ الّذي وصلت إليه البلاد الإسلاميّة. ومهما اختلفنا أو اتّفقنا في مدى أهميّة تلك الجوانب، فإنّها بالتأكيد شيء آخر غير الحضارة الإسلاميّة.
إنّ كثرة المؤلّفات والإبداعات الفكريّة والأدبيّة ليست بحدّ ذاتها دليلًا على مدى ارتقاء المجتمع أو انحطاطه. بل إنّ المؤرِّخين يعمدون إلى نصوص تلك الإبداعات، كي يقفوا من خلال مضامينها على الأحوال الّتي اكتنفت مجتمعها في جوانبه المختلفة، من سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وعسكريّة وثقافيّة وغير ذلك. إذ غالبًا ما تكون مضامين تلك النصوص معبِّرة عن الأحوال في ذلك المجتمع، أو على أقلّ تقدير، عن شريحة من شرائحه.
(1) - محمّد سعيد رمضان البوطي - منهج الحضارة الإنسانيّة في القرآن - دار الفكر, دمشق - الطبعة الأولى, 1982م - ص 159