فقد تعبّر تلك المؤلّفات -على قلّتها- عن حالة من الوعي الفكريّ والسياسيّ وعن حالة من التماسك والارتقاء والنهوض في المجتمع، كما كان شأنها في عهد النبوّة والخلافة الراشدة. وقد تعبّر -على كثرتها- عن حالة من الانحطاط والضياع والتخبّط في التفكير وعن حالة من الانحطاط والتفكّك السياسيّ والضعف العسكريّ، كما هو شأنها في العالم الإسلاميّ في تاريخنا المعاصر.
وأمّا المستوى المدنيّ والتقنيّ والعمرانيّ، فلا شكّ أنّ النهضة الحضاريّة تسهم في إعلاء صرحه، إلاّ أنّه ليس بحدّ ذاته دليلًا على الرقيّ الحضاريّ في أيّ مرحلة من المراحل. بل قد يكون بعض الأحيان مؤذنًا بانحطاط سياسيّ وتفكّك مجتمعيّ واندثار حضاريّ، كما كان شأن الحضارة الرومانيّة في أواخر عهدها، وكما يتوقع الكثير من المفكِّرين للحضارة الغربيّة المعاصرة. وها هو"أرنولد توينبي"ينبّه إلى أنّ أيًّا من التوسّع السياسيّ والحربيّ أو تحسين الأسلوب الفنيّ لا يُعدّ قاعدة مناسبة لقياس الارتقاء الحقيقيّ. ولا تبدي التحسينات التكنولوجيّة -في رأي"توينبي"- سواء أكانت زراعيّة أو صناعيّة، سوى ارتباط قليل -أو لا شيء البتّة- بينها وبين الارتقاء الصحيح. وحقًّا فقد يرتقي تمامًا الأسلوب الفنيّ وقتما يكون التحضّر الفعليّ في مرحلة الانحطاط. والعكس بالعكس (1) .
(1) - انظر: مختصر دراسة للتاريخ - ج1 - من ص 322 حتّى ص 330