فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 301

وهكذا نرى أنّ هذا المصطلح تبدَّل من الدلالة على مواصفات أهل المدينة الخُلقيّة والاجتماعيّة والشكليّة وأساليب عيشهم والفرق بينهم وبين أهل الأرياف والغابات إلى الدلالة على مميِّزات الأمم والدول المنظَّمة ذات الثقافة العالية والعلوم المزدهرة -وهو مفهوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لدى الدول الأوربّيّة- ثمّ أخيرًا للدلالة على أنماط المجتمعات الّتي شهدها التاريخ البشريّ، بصرف النظر عن مدى ثقافتها وعلومها، حتّى إنّ الأقوام المتوحّشة لها حضارتها الّتي تصوغ عيشها.

من خلال ما سلف من البحث، ووفق ما استقرّ عليه مصطلح"الحضارة"من معنى، يظهر ارتباط واضح بين"الحضارة والمجتمع". فالحضارات متعدّدة بقدر تعدّد المجتمعات. والحضارة ما هي إلاّ نمطُ عيشِ مجتمع من المجتمعات، ولولا ذلك المجتمع لما أمكننا التحدّث عن تلك الحضارة."فالحضارة اليونانيّة"ما هي إلاّ عبارة عن هويّة المجتمع اليونانيّ، و"الحضارة المصريّة"القديمة ما هي إلاّ تعبير عن هويّة المجتمع المصريّ القديم، و"الحضارة الإسلاميّة"ما هي إلاّ عبارة عن هويّة المجتمع الإسلاميّ… وهكذا. فها هو المؤرِّخ البريطانيّ الشهير"أرنولد توينبي"يرى أنّ التاريخ البشريّ تاريخ حضارات، وفي الوقت نفسه يراه تاريخ مجتمعات (1) . ويقول"رالف لنتون": «من الأمور ذات الدلالة الخاصّة أنَّ اصطلاحَي حضارة ومجتمع يُستعملان كمترادفين في غالب الأحيان... فالمجتمع عبارة عن مجموعة منظّمة من الأفراد، والحضارة مجموعة منظّمة من الاستجابات الّتي تعلّمها الأفراد وأصبحت من مميِّزات مجتمع معيّن» (2) .

(1) - انظر: أرنولد توينبي -مختصر دراسة للتاريخ - تعريب فؤاد محمّد شبل - الادارة الثقافيّة في جامعة الدول العربيّة، القاهرة - الطبعة الأولى 1960 - ج1 - المقدّمة ص3 وما بعدها

(2) - رالف لنتون - شجرة الحضارة - ترجمة أحمد فخري - مكتبة الإنجلومصريّة - دون تاريخ - ج1 -ص 65

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت