لقد كانت تلك الحقبة الّتي حاول خلالها المعتزلة فرض آرائهم على سائر المسلمين مؤشِّرًا على هويّة العرف العامّ الّذي ساد المجتمعَ الإسلاميّ آنذاك، بحيث ظهرت مراكز الاستقطاب الّتي تعلَّق بها جمهور المسلمين وكان لها التأثير الأقوى عليه، فكانت هذه المراكز بلا شكّ تتمثّل في المدارس الفقهيّة والمحدّثين من علماء المسلمين. وقد تجلّى ذلك في نقمة المأمون من"عامّة المسلمين"أنّهم لم يتقبّلوا القول بخلق القرآن، وبقوا متعلّقين بموقف الفقهاء والمحدّثين. فممّا ورد في رسالته إلى واليه على بغداد الّتي يأمره فيها بامتحان القضاة: «وقد عرف أمير المؤمنين أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعيّة وسفلة العامّة -ممّن لا نظر له ولا رويّة ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، والاستضاءة بنور العلم وبرهانه،في جميع الأقطار والآفاق- أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به» , ثمّ يبرّر حكمه هذا عليهم بقوله: «وذلك أنّهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين، واتّفقوا غير متعاجمين، على أنّه قديم أوّل لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه» (1) .
كما ظهر تعلّق عامّة الناس في المجتمع بالمحدّثين حين وقف الإمام"أحمد بن حنبل" (2)
(1) - محمّد بن جرير الطبري - تاريخ الأمم والملوك - دار الكتب العلميّة، بيروت - 2001 - م5 - ص186
(2) - الإمام أحمد بن حنبل (164-241هـ)
أحمد بن محمّد بن حنبل،أبو عبد الله،الشيباني الوائلي: إمام المذهب الحنبلي،وأحد الأئمّة الأربعة.ولد ببغداد،فنشأ منكبًّا على طلب العلم،وسافر في سبيله أسفارًا كبيرة.صنّف"المسند"في ستّة مجلّدات، يحتوي على ثلاثين ألف حديث. وله كُتب عديدة. وفي أيامه دعا المأمونُ إلى القول بخلق القرآن ومات قبل أن يناظر ابن حنبل، وتولّى المعتصم فسجن ابن حنبل ثمانية وعشرين شهرًا لإقناعه عن القول بخلق القرآن. وأُطلق سنة 220هـ.ولم يصبه شرّ في زمن الواثق بالله بعد المعتصم، ولمّا توفّي الواثق وولي أخوه المتوكّل بن المعتصم أكرم الإمام أحمد بن حنبل وقدّمه، ومكث مدّة لا يولّي أحدًا إلاّ بمشورته،وتوفّي الإمام وهو على تقدّمه عند المتوكّل.… (الزركّلي)