فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 301

وأمّا مسألة خلق الأفعال، فإنّ رأيه فيها «وسط بين الجبريّة والمعتزلة، فالمعتزلة قالوا إنّ العبد هو الّذي يخلق أفعال نفسه بقوّة أودعها الله تعالى إيّاه، والجبريّة قالوا إنّ الإنسان لا يستطيع إحداث شيء ولا كسب شيء،بل هو كالريشة في مهبّ الريح، فقال الأشعريّ إنّ الإنسان لا يستطيع إحداث شيء ولكن يقدر على الكسب» (1) . ومقصود"أبي الحسن"بالكسب، أن يقع فعل من الإنسان لا بإرادته وقدرته، وإنّما يقع بإرادة الله وقدرته"مقترنًا"مع إرادة الإنسان (2) .

وأمّا مرتكب الكبيرة الّذي قال المعتزلة إنّه لا يسمّى مؤمنًا وإنّه يخلد في النار إن مات دون توبة عن كبيرته، فقد قال"الأشعريّ"إنّه إن كان مؤمنًا موحِّدًا فهو فاسق، وهو في مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنّة، وإن شاء عاقبه بفسقه ثمّ أدخله الجنّة (3) .

هذه أهمّ المسائل الّتي خالف فيها الأشعريّ المعتزلة. والمدقّق فيها يرى أنّه لم يرفض الخوض فيما خاضوا فيه، وإنمّا حاول أن يعطي في مسائلهم الرأي الموافق للآيات والأحاديث، وأن يوافق -قدر الإمكان- آراء المحدّثين والفقهاء.

(1) - تاريخ المذاهب الإسلاميّة - ص 166

(2) - لم يوافق جميع الأشاعرة على"فكرة الكسب"الّتي قال بها أبو الحسن. بل خالفه فيها بعض أشهرهم وأنكروها، ورأوا أنّ رأي أبي الحسن يؤدّي إلى الجبر. ومن هؤلاء الإمام أبو المعالي الجويني، فمع موافقته على أنّ أفعال العباد مخلوقة كلّها لله تعالى، فإنّه يرى أنّ الإنسان يقوم بأفعاله بتأثير من إرادته ومشيئته وقدرته. وهو لا يرى بذلك أنّ الإنسان يخلق فعله، وإنّما هو يستخدم المواهب الّتي خلقها الله تعالى فيه، من إرادة ومشيئة وقدرة على الاختيار والفعل. (انظر: الملل والنحل - ج1 - ص 98-99)

(3) - انظر: الملل والنحل - ج1 - ص 101

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت