فهرس الكتاب
هذه الشواهد والنصوص التاريخيّة تفيد أنّ نزاعًا نشأ،بعد ظهور المذهب الأشعريّ، حول قبول الكلام بثوبه الجديد أو رفضه، ما يعني أنّ علم الكلام عجز عن توطيد أركانه على صعيد المجتمع الإسلاميّ. ولكن يبدو -كما سبق وأشرنا- أنّ الإمام"الغزاليّ"كان له دور كبير في فتح أبواب المجتمع على مصاريعها أمام علم الكلام، لِما تمتّع به من احترام واسع بين المثقّفين ولدى الرأي العامّ في آن معًا. والّذي يطالع كتب علماء القرن السادس والقرون الّتي تلته،يكتشف ما تمتّع به"الغزاليّ"من مكانة في أوساط العلماء وتلاميذهم وصولًا إلى أدنى شرائحهم.
لقد ذهب"الغزاليّ"في مقدّمة كتابه"المستصفى من علم الأصول"، إلى حدّ الزعم بأنّ من لا دراية له بعلم الكلام ومقدّماته المنطقيّة فإنّه لا ثقة بعلمه.
وقد جعل تلك المقدّمة، الّتي تزيد صفحاتها- في الطبعة الّتي رجعنا إليها- على الأربعين صفحة، تلخيصًا للقواعد المنطقيّة الّتي اعتُمِدت في علم الكلام. وقال في بدايتها: «نذكر في هذه المقدّمة مدارك العقول وانحصارها في الحدّ والبرهان. ونذكر شرط الحدّ الحقيقيّ وشرط البرهان الحقيقيّ وأقسامهما… وليست هذه المقدّمة من جملة علم الأصول، ولا من مقدّماته الخاصّة، بل هي مقدّمة العلوم كلّها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلًا» (1) .
(1) - أبو حامد الغزاليّ- المستصفى من علم الأصول - المطبعة الأميريّة ببولاق مصر المحميّة -الطبعة الأولى، 1322هـ -ج1- ص10