لذلك كان من أكبر الأخطاء الّتي وقع فيها كثير من الباحثين الّذين أرّخوا للثقافة الإسلاميّة، أن وضعوا علم الكلام -ولا سيّما المعتزلة- في خانة واحدة مع الفلاسفة (1) . فالفرق كبير بين الطرفين. فالمتكلّمون إنّما صدروا عن إيمان كامل بالعقيدة الإسلاميّة. واطّلاعهم على الفلسفة إنّما كان بهدف الردّ على من تسلّح بها. وكان اطّلاعهم عليها مدعاة للاستفادة من مقدّماتها المنطقيّة من أجل إثبات العقيدة وحدها. ولم يدرسوا الفلسفة دراسة كاملة، وإنّما درسوا مسائل منها، رأوها وافية بغرضهم. بخلاف حال الفلاسفة الّذين درسوا الفلسفة اليونانيّة دراسة كاملة، وساروا معها ونهجوا نهجها وتبنّوا نتائجها. وممّا يقوله"ابن خلدون"في التفريق بين الفلسفة والكلام: « ما تحدّث به المتكلّمون من إقامة الحجج، فليس بحثًا عن الحقّ فيها، فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلومًا هو شأن الفلسفة. بل إنّما هو التماس حجّة عقليّة تعضد عقائد الإيمان ومذاهب السلف فيها، وتدفع شبه أهل البدع عنها، الّذين زعموا أنّ مداركهم فيها عقليّة، وذلك بعد أن تُفرض صحيحة بالأدلّة النقليّة كما تلقّاها السلف واعتقدوها. وكثيرٌ ما بين المقامين» (2) .
(1) - انظر: محمّد كرد عليّ الإسلام والحضارة العربيّة - ج2 - ص39-40
(2) - مقدّمة ابن خلدون - ص 548