فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 301

وهكذا كان موقف العلماء المسلمين -فقهاء ومحدّثين ومتكلّمين- صارمًا من هؤلاء الفلاسفة. إذ رأوهم معبّرين عن فكر آخر لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، وهو في نفس الوقت يتعارض مع العقيدة الإسلاميّة من حيث الأساس. ذلك أنّ الفلسفة تطلق عنان العقل في بحث ما وراء الكون والإنسان والحياة، أي ما وراء المادّة،وليصل إلى تصوّرات لا تقوم عليها أيّ أدّلة من الواقع المحسوس. وهذا خلاف المنهج الإسلاميّ الّذي أتى به القرآن الكريم. صحيح أنّ القرآن دعا إلى تحكيم العقل وإعمال الفكر في مجال العقيدة، إلاّ أنّه قصر مهمّة العقل على مجال المحسوسات. فدعاه إلى الإيمان بالخالق عن طريق التفكّر في المخلوقات الّتي تقوم شاهدًا على خالقها. { سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنّه الحَقُّ } (1) . كما أنّه دعا الإنسان إلى تحكيم عقله في معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلم -،وهي القرآن. إذ به تثبت نبوّته وأنّه يحمل رسالة من عند الله، فقال: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافًا كَثيرًا } (2) . وعند هذا الحدّ ينتقل العقل من دور الحاكم إلى دور المتلقّي، حيث يتلقّى من الرسالة الإلهيّة ما يكفيه من أخبار الغيب، ليؤسّس حياته على أساس متين من العقيدة. ذلك أنّ العقل عاجز عن الإحاطة بما هو وراء الحسّ. إذ الحواسّ هي منفذ العقل إلى الإدراك.

(1) - سورة فصّلت - الآية 53

(2) - سورة النساء - الآيّة82

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت