فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 301

ويعبّر"ابن خلدون"عن هذا المنهج في التفكير،فيقول"في إبطال الفلسفة وفساد مُنتحِلِها": «هذه العلوم عارضة في العمران، كثيرة في المدن، وضررها في الدين كثير. فوجب أن يُصدع بشأنها ويُكشف عن المعتقد الحقّ فيها. وذلك أنّ قومًا من عقلاء النوع الإنسانيّ زعموا أنّ الوجود كلّه -الحسّيّ منه وما وراء الحسّيّ- تُدرك أدواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكريّة والأقيسة العقليّة، وأنّ تصحيح العقائد الإيمانيّة من قِبل النظر لا من جهة السمع، فإنّها بعضٌ من مَدارك العقل. وهؤلاء يسمّون فلاسفة، جمع فيلسوف، وهو باللسان اليونانيّ محبّ الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمّروا له وحوّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحقّ والباطل،وسمّوه بالمنطق» (1) . ثمّ يبيّن تهافت آراء الفلاسفة في الماورائيّات قائلًا: «وأمّا ما كان منها في الموجودات الّتي وراء الحسّ -وهي الروحانيّات يسمّونه العلم الإلهيّ وعلم ما بعد الطبيعة- فإنّ ذواتها مجهولة رأسًا ولا يمكن التوصّل إليها ولا البرهان عليها لأنّ تجريد المعقولات من الموجودات الخارجيّة الشخصيّة إنّما هو ممكن فيما هو مُدرَك لنا، ونحن لا ندرك الذوات الروحانيّة حتّى نجرّد منها ماهيّات أخرى بحجاب الحسّ بيننا وبينها، فلا يتأتّى لنا برهان عليها ولا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة…» (2) ، وممّا يقوله في هذا الموضوع: «ولا تثقنّ بما يزعم لك الفكر من أنّه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كلّه، وسفِّه رأيه في ذلك. واعلم أنّ الوجود عند كلّ مدرِك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحقّ من ورائه… فاتّهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتّبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك وأعلم بما ينفعك، لأنّه

(1) - مقدّمة ابن خلدون - ص 568

(2) - المصدر السابق - ص 570 - 571

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت