فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 301

وأمّا كيف ينتصر الروح على الجسد، وكيف ينتصر الجسد على الروح ؟ فإنّ الإنسان-في نظر هذه الفلسفة-هو عبارة عن روح يأسره الجسد ويمنعه من الارتقاء والتحرّر والسموّ إلى عالم الأرواح أو إلى روح الوجود الكلّيّ. وكلّما غُذّي هذا الجسد وحصل على ما يشتهيه من اللذائذ والمتع كان أقدر على أسر الروح والتمكّن منه والتغلّب عليه. لذلك فإنّه من أجل أن ينتصر الروح على الجسد كان لا بد من إضعافه وقهره وإذلاله حتّى لا يقوى على الروح، فيستطيع هذا الأخير حينئذ التفلّت منه والتحرّر من قيوده. وبالتالي فإنّ على من يريد الارتقاء بروحه لبلوغ السعادة المطلقة، أن يقضي حياته في معركة ضدّ جسده، بأن لا يستجيب لرغباته وشهواته، فيهجر متاع الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها ونعيمها، فلا يأكل إلاّ ما يقيم أوده من مرّ الطعام وزهيده، ولا يلبس نواعم الثياب، وإنمّا يضع على كاهليه رقاع"الصوف"الخشن والثياب الرثّة، ولا يركب الدوابّ الذلول، وإنمّا يسيح في الأرض حافي القدمين حاسر الرأس في نوائب الأيّام وعواتي الليالي، ولا يسكن البيوت الفارهة، وإنمّا يسكن الدور الوضيعة والأكواخ الزريّة، ولا ينام على الفرش ولا يتّكئ على الأرائك، وإنمّا يفترش الأرض والبسط اليابسة، ويهجر الجنس الآخر فيكبت شهوة النوع، ويعيش حياة الرهبان، ويقضي أوقاته في قهر الجسد وإذلاله في الزوايا والتكايا ودُور العبادة أو في الوديان السحيقة أو الجبال العالية… وهكذا، إلى أن يصل ضعف الجسد حدًّا لا يقوى معه على أسر الروح، فيتفلّت منه ويسمو إلى عالم الأرواح العلويّ ويتجوّل فيه، فتتكشّف الحقائق والأشياء أمام ذلك الإنسان جليّة واضحة، ليس من طريق الحواسّ الجسديّة من سمع وبصر وغيرهما، بل من طريق الكشف"الوجدانيّ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت