وهكذا، ترى هذه الفلسفة أنّ الإنسان كلّما قهر جسده بالتقشّف والجوع وهجران الملذّات، ارتقى روحه وسما وتكشّفت له الحقائق، إلى أن يصل إلى ذروة الارتقاء، فيتّحد بالروح الأعلى، ويصل إلى الفناء في الحقيقة المطلقة، «وهو أمر يميّز التصوّف بمعناه الاصطلاحيّ الدقيق. ويُقصد بالفناء الحالة النفسيّة الّتي لا يشعر معها الصوفيّ بذاته، كما يشعر أنّه بقي مع حقيقة أسمى مطلقة (…) وقد ينطلق بعض الصوفيّة إلى القول بالاتحاد بهذه الحقيقة أو أنّها حلّت فيهم، أو أنّ الوجود واحد لا كثرة فيه» (1) .
إنّ هذه الفلسفة للحياة كانت -ولا تزال- سمة من سمات مجتمعات الشرق الأقصى، ولا سيّما المجتمع الهنديّ. جاء في الموسوعة الفلسفيّة: «ويعتمد التصوّف الإشراقيّ على البوذيّة والبراهمانيّة وغيرهما من الفلسفات الشرقيّة» (2) . كما أنّها تظهر جليّة أيضًا لدى بعض فلاسفة اليونان وعلى رأسهم أفلاطون اليونانيّ وأفلوطين المصريّ الّذي عُرفت فلسفته بالأفلاطونيّة الحديثة والّتي ضاعفت من تصوّف تعاليم أفلاطون. وفي نظر أفلوطين «هناك"الواحد"الّذي هو المصدر الباطنيّ للوجود جميعه، وهو ينبثق في البدء كعقل كلّي، ثمّ كنفس الله، وبعد هذا كنفوس جزئيّة كأجسام جزئيّة، تشمل المادّة، الّتي يعتبرها أفلوطين"لا وجود". وموضوع الحياة الإنسانيّة عند أفلوطين هو الصعود إلى"الواحد". ويمكن تحقّق هذا بتقييد الميول الجسديّة ،وكذلك بترقية القوى الروحيّة، بما في ذلك قوى الإدراك. وتحُقِّق النفس، في أقصى حالة من حالات الوجد الصوفيّ إبّان الصعود، الاتحّاد بالله » (3) .
(1) - الموسوعة الفلسفيّة العربيّة - مجلد 1 - ص 259 - مادّة"تصوف"بقلم أبو الوفا التفتازاني .
(2) - الموسوعة الفلسفيّة (دار الطليعة) - مادّة: التصوّف الإشراقي.
(3) - المرجع السابق - مادّة: أفلوطين.