إلاّ أنّ بعض المسلمين أساؤوا فهم هذه النصوص، ونظروا إلى كلّ متعة وشهوة مادّيّة في الحياة الدنيا على أنّها الرذيلة، أو الطريق إليها. وظنّوا أنّ عبادة الله تكون بحرمان الجسد متعه ورغباته. ففي عهد النبوّة فهم بعض الناس التقوى بالتقشّف وقهر النفس والجسد، وعندما سألوا عن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقالّوها، فنذروا على أنفسهم تكاليف قاسية ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يحسبون أنهّم يحسنون صنعًا وأنّهم أصابوا التقوى. فلمّا بلغ خبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شعر بخطر ذلك الفهم المنحرف، فاتّخذ الإجراء الّذي يناسب تلك الظاهرة. فقد روى البخاريّ عن أنس بن مالك أنّه قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا أُخبروا كأنّهم تقالّوها،فقالوا: وأين نحن من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوّج أبدًا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (1) .
(1) - رواه البخاري - فتح الباري - مجلد10 - ص130 - كتاب النكاح - رقم الحديث (5063) .