فهرس الكتاب
وقد بقيت هذه النماذج تطلّ برأسها هنا وهناك منذ عصر النبوّة مرورًا بالعصور الّتي تلته وحتّى يومنا هذا. وكانت تزداد وتتكاثر كلّما كان هناك شعور بتزايد انغماس المجتمع بالترف والسرف والملذّات وزخارف الدنيا وزينتها، وهو ما كان يتزايد على نحو مطّرد في المجتمع الإسلاميّ كلّما اتّسعت الدولة الإسلاميّة وازدهر اقتصادها وتطوّرت مدنيّتها وتعاظم عمرانها. فراحت ظاهرة الزهّاد والنسّاك والمتقشّفين تنتشر بين جنبات المجتمع الإسلاميّ، وبدأت هذه الطوائف تُعرف باسم"الصوفيّة"منذ أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث.
يقول"ابن خلدون"في كلامه على التصوّف: «هذا العلم من العلوم الشرعيّة الحادثة في الملّة. وأصله أنّ طريق هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمّة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحقّ والهدايّة، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة،وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف. فلمّا فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختصّ المقبلون على العبادة باسم الصوفيّة والمتصوّفة» (1) .
(1) - المقدمة - ص 517