فهرس الكتاب
غير أنّه في آخر حياته، وبعد اعتزاله للمجتمع سنوات طويلة قارن خلالها بين أصحاب المناهج والعلوم، أعلن رسوّ سفينته على شاطئ التصوّف. ويخبر الغزاليّ عن تلك المحطّة الأخيرة في حياته قائلًا: «ثمّ إنّي لمّا فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمّتي على طريق الصوفيّة، وعلمت أنّ طريقتهم إنّما تتمّ بعلم وعمل،وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس والتنزّه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتّى يتوصّل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله. وكان العلم أيسر عليّ من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكّيّ رحمه الله وكتب الحارث المحاسبيّ والمتفرّقات المأثورة عن الجنيد والشبليّ وأبي يزيد البسطاميّ قدّس الله أرواحهم،وغير ذلك من كلام مشايخهم، حتّى اطّلعت على كنه مقاصدهم العلميّة، وحصّلت ما يمكن أن يحصّل من طريقهم بالتعلّم والسماع، فظهر لي أنّ أخصّ خواصّهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلّم، بل بالذوق والحال وتبدّل الصفات…» (1) . ثمّ يتابع بعد ذلك قائلًا: «وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الّذي أذكره لينتفع به، أنّي علمت يقينًا أنّ الصوفيّة هم السابقون لطريق الله تعالى خاصّة وأنّ سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيّروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم ويبدّلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلًا. فإنّ جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوّة، وليس وراء نور النبوّة على وجه الأرض نور يستضاء به» (2) .
(1) - المنقذ من الضلال - ص 43
(2) - المصدر السابق - ص 49-50