فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 301

إلى أن جاء الوقت الّذي بدأت فيه الصوفيّة تلقى القبول، حين لقيت العناية من بعض العلماء المسلمين الّذين تكفّلوها بالرعاية وأخذوا على عاتقهم تهذيبها وتنقيتها مما يخالف العقيدة الإسلاميّة. وكان من أبرز هؤلاء الإمام"أبو حامد الغزاليّ"المتوفّى سنة 505هـ. إلاّ أنّ هذا الأمر أدّى للأسف إلى تبنّي الأساس الّذي تقوم عليه الصوفيّة. فبدأت أفواج المتصوّفين تسلك دروب"رياضة النفس والروح"، من خلال التقشّف وتعذيب الجسد والبعد عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها وهجر المجتمع وترك الأسباب واحتقار العمل والنضال السياسيّ والمكوث في الزوايا والتكايا. كلّ ذلك حتّى يتغلّب الروح على الجسد ويصل"الأتقياء"إلى مصافّ الملائكة والأولياء. مع أنّ تلك الفلسفة الّتي تقوم عليها"الصوفيّة"ليست من الإسلام في شيء، بل هي مخالفة له كلّ المخالفة. وهكذا كانت تلك الفكرة من عوامل الهبوط في المجتمع الإسلاميّ، فهي تدفع الإنسان إلى هجر المجتمع وازدراء الحياة إلى

حدّ يجعل من المتصوِّف إنسانًا عديم الغايّة فاقد الهدف، فلا نشاط لديه ولا عمل يؤدّي إلى عمارة الدنيا على أساس من تقوى الله سبحانه وتعالى الّذي استخلف الإنسان في الأرض فقال له: { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها (1) } وكان ضغثًا على إبالة أن اندمجت فكرة الصوفيّة تلك مع القَدَريّة الغيبيّة الّتي تؤمن بأنّ الإنسان كالريشة في مهبِّ الريح أو كالخشبة الّتي تتلاطمها الأمواج، فلا قيمة لإرادة الإنسان ولا لقدرته ولا جهده، فكلّ ما في هذه الدنيا يحصل نتيجة خطّة محكمة لا يملك الإنسان التأثير في شيء منها. ولا يخفى على واع ما في تلك المفاهيم من خطر مدمّر على أيّ مجتمع من المجتمعات.

(1) - سورة هود - الآية61

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت