فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 301

هكذا دخلت المؤثِّرات الحضاريّة والفكريّة الواحدة تلو الأخرى إلى الميدان الثقافيّ في الأمّة الإسلاميّة،ما أفقد المسلمين نقاء الفكر وصفاءه ووضوحه إلى حدّ من الحدود.

إلاّ أنّه بأيّ حال من الأحوال، لم يصل الأمر إلى أن يفقد المسلمون هويّتهم، أو تتغيّر حضارتهم وتُسلب شخصيّتهم. فكلّ تلك المؤثِّرات لم تكن في يوم من الأيام لتقوى على إيمان المسلمين بعقيدتهم وثقتهم بتشريعهم ومفاهيمهم الإسلاميّة. لا زالت العقيدة الإسلاميّة هي القاعدة الفكريّة الّتي يبني المسلمون عليها أفكارهم، ولا زال القرآن والسنّة وما أرشدا إليه، مصادر التشريع لديهم. وعلماء الكلام إنّما كانوا يبذلون طاقتهم وجهدهم في دراسة المنطق بغاية تثبيت العقيدة الإسلاميّة، وجعلوا العقيدة الإسلاميّة أساسًا لأبحاثهم. والفلاسفة الّذين ظهروا بين المسلمين بقوا أفرادًا ولم يكن لهم شأن يذكر في الرأي العامّ. والصوفيّة على خطرها ومجانبتها للإسلام لم تكن تقوى على مزاحمة العقائد الأساسيّة لدى المسلمين.

والأهم من ذلك كلّه أنّ أصحاب السهم الأكبر والأعظم في تشكيل الرأي العامّ والتوجيه الثقافيّ في العالم الإسلاميّ كانوا"الفقهاء". وهؤلاء كانوا بكلّ تأكيد بعيدين عن التأثّر بالثقافات والأفكار غير الإسلاميّة. فلقد كانت أبحاثهم تنصبّ على دراسة اللغة العربيّة لغة القرآن والسنّة، وعلى فهم المدلولات اللغويّة والشرعيّة للقرآن والسنّة من أجل استنباط الأحكام الشرعيّة وضبط سلوك المسلمين بها. فحياة المسلمين في مجتمعهم ودولتهم، كانت تسيّرها مجموعة من الأحكام الشرعيّة المستنبطة من الكتاب والسنّة، ولم يكن لحاكم أن يفكّر في استبدال أنظمة وضعيّة بالأنظمة الإسلاميّة أو أن يتجرّأ على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت