من الطبيعيّ أن يتوقّع الباحث أنّ إغلاق باب الاجتهاد سيؤدّي إلى تغلغل مزيد من الأفكار الوافدة إلى ثقافة المسلمين وإلى مزيد من التلوّث الفكريّ في العالم الإسلاميّ. إلاّ أنّ الواقع كان غير ذلك. صحيح أنّ البنيان الفكريّ لدى المسلمين قد فقد مناعته بعد إغلاق باب الاجتهاد، إلاّ أنّ ذلك لم يكن كافيًا لتغلغل العناصر الفكريّة والثقافيّة إلى ذلك البنيان، ذلك أنّ تلك العناصر لم يعد لها وجود آنذاك. فالحضارات الّتي احتكّ بها المسلمون في صدر التاريخ الإسلاميّ مع اندفاع الفتوحات الإسلاميّة -وعلى رأسها الحضارتان الرومانيّة والفارسيّة- لم يعد لها وجود يذكر على الساحة الدوليّة. فدولة فارس سقطت والإمبراطوريّة البيزنطيّة وريثة الحضارة الرومانيّة تلفظ أنفاسها الأخيرة. وأوربّا الغربيّة الكاثوليكيّة كانت تعيش في دياجير العصور الوسطى وانحطاطها، وما من رسالة حضاريّة لديها تحملها إلى العالم. والمغول والتتار والتركمان الّذين لم يعتنقوا الإسلام بعد، كانوا أشدّ منهم انحطاطًا وأكثر تخلّفًا. أمّا حركة الترجمة والاطّلاع على المعارف والثقافات السابقة فقد توقّفت عند حدّ معيّن واستنفدت أغراضها. وهكذا بقيت الأمّة الإسلاميّة سيّدة المبادرة الحضاريّة والثقافيّة، فضلًا عن السياسيّة في الساحة الدوليّة، وبقيت تعيش على التراث الفقهيّ السابق وكتابة الشروح على المتون وربما الشروح على الشروح، أو على تلخيص تلك المصنّفات وربّما تلخيص شروحها.