وبعد هذا الإيمان العقليّ الجازم يأتي طبيعيًّا دور تلقّي التشريع . ويأتي دور التسليم والتفويض لله عزّ وجلّ. فلئِن وجب على الإنسان أن يحكّم عقله في مسألة الإيمان تحكيمًا مطلقًا، فقد وجب عليه في دور التشريع -وقد علم أنّ الله هو الخالق الحكيم العليم اللطيف الخبير الهادي وأنّ رسالته نزلت رحمةً للعالمين- أن يفوِّض أمره إلى ربّه الّذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه ويعلم سرّه ونجواه ويعلم ما يصلح لغرائزه وحاجاته من معالجات وأنظمة. فبعد أن كان عقله حَكَمًا في العقيدة وجب عليه أن يتحوّل في مجال التشريع إلى أداة لفهم نصوص الوحي من قرآن وسنّة، من أجل استخراج الأحكام الشرعيّة وفق دلالة تلك النصوص.
وقد شكلّ مجموع تلك الأحكام الشرعيّة ما يسمّى بالشريعة الإسلاميّة. وهي النظام الّذي ينظّم علاقات الإنسان كلّها، سواء كانت علاقة مع ربّه، نظّمها بمجموعة من العبادات، أو كانت علاقة مع نفسه، نظّمها بمجموعة من الأخلاق وأحكام المطعومات والملبوسات، أو علاقة مع غيره من الناس ، نظّمها بمنظومة كبيرة من أحكام المعاملات. وهذه الأخيرة -أي أحكام المعاملات- هي صاحبة الأثر الأكبر في تشكيل حياة الناس في مجتمعهم. إذ بتطبيقها تتجلّى المفاهيم الّتي تحكم سلوك الناس، وهي الّتي تشكّل أنظمة الحكم والاجتماع والاقتصاد والعقوبات والتعليم، وبها تَرعى السلطةُ القائمة شؤون الناس في سياستها الداخليّة والخارجيّة.
وهكذا تكون العقيدة الإسلاميّة بما انبنى عليها من مفاهيم وما انبثق عنها من أنظمة وما نَجَم عنها من مشاعر، كالولاء لله ورسوله والمؤمنين والشعور بالصلة بالله تعالى والثقة بشريعته والإحساس بالسعادة في ظلّ رضوانه والشوق إلى الجنّة والخوف من النار والبغض للكفر وأوليائه والتحفّز لمجاهدة المشركين وأعداء الدين… هي الأساس الّذي قامت عليه الحضارة الإسلاميّة .