لذلك فإنّ مصطلح"الحضارة الإسلاميّة"إنّما يجب أن تقتصر دلالته على هذه المعاني: على العقيدة الإسلاميّة وعلى التشريع الإسلاميّ -ولا سيّما من هذا التشريع ما يتعلّق بتنظيم العلاقات ضمن المجتمع وما بين المجتمع وغيره من المجتمعات- وعلى ما يرتبط بها من مفاهيم ومشاعر ومقاييس وقناعات ونظرة إلى الفضيلة والرذيلة والخير والشرّ والعدل والظلم لدى المجتمع الإسلاميّ. ولقد عبّر"محمّد أسد" (ليوبولد فايس) عن ذلك المعنى للحضارة الإسلاميّة بقوله: «إنّنا نعني بحضارة الإسلام تلك النظرة الخاصّة إلى الفضائل الخلقيّة، وذاك المنهاج الاجتماعيّ المتمايز، والأسلوب الّذي رسمه الإسلام لحياة البشر، فلا نقصد بحضارة الإسلام حدثًا بذاته أو نهضة ممّا استحدثه المسلمون في أيِّ قطر من أقطارهم أو فترة من فترات تاريخهم» (1) .
ولا يحسبنّ أحد أنّنا ضيّقنا مجال الحضارة الإسلاميّة الّتي عبّرنا عنها بهذه التعابير المختصرة. ذلك أنّ الكلام عن أنظمة الإسلام هو في الحقيقة كلام عن ثروة عظيمة وبحر هائل من الأحكام والقوانين والأنظمة الّتي بذل فقهاء المسلمين منذ مئات السنين -ولا زالوا حتّى اليوم - جهودًا جبّارة لإبرازها والتعبير عنها، الأمر الّذي تجلّى في تلك الموسوعات الضخمة من مصنَّفات الفقه الإسلاميّ وما اقتضته من دراسات وفنون كدراسات اللغة العربيّة وعلم التفسير ومصطلح الحديث الشريف وعلم أصول الفقه وعلم تراجم الرجال… وإنّ الناظر في حياة المجتمع الإسلاميّ الباحث في ظواهره سيجد أنّ هذه المفاهيم والمشاعر والتشريعات هي الّتي تحكَّمت حقيقةً في نمط عيشه وطراز حياته.
(1) - محمّد أسد وآخرون - الإسلام والتحديّ الحضاريّ - ترجمة محمّد محمود غالي - دار الكاتب العربيّ، بيروت - الطبعة الأولى 1992 - ص 22