ثمّ إنّنا حين نطلق تعبير"الحضارة الإسلاميّة"فإنّنا لا نتكلّم عن مجرّد ظواهر شهدها المجتمع الإسلاميّ والتاريخ الإسلاميّ، بل نتكلّم عن أشياء منسوبة إلى الإسلام بوصفه الدين الّذي نزل به الوحي على الرسول- صلى الله عليه وسلم -، وكان لها ذلك الفضل في قيام مجتمع ذي حضارة معيّنة هي الحضارة الإسلاميّة، أي إنّنا نتكلّم عن"حضارة الدين الإسلاميّ". ولا يخفى على أحد أنّ تلك الإنجازات العلميّة والمدنيّة، وإن كان للإسلام الفضل الأعظم في توجيه الناس نحو الإبداع فيها -حين دعا إلى التفكّر في آيات الكون وخلق الله وحين أمر بإعداد القوّة وحين أباح التمتّع بزينة الدنيا- إلاّ أنّها ليست من نتاجه ولا هو تعرّض لها في نصوصه، سوى بعض اللمحات الرامية إلى تنبيه الفكر الإنسانيّ إلى آيات الله ونعمه ودقيق صنعه. فهذه العلوم والفنون وما نتج عنها من إنجازات ماديّة إنّما هي سابقة على الإسلام، فأخذها المسلمون وأسهموا في إعلاء بنيانها وتوسيعه. بل كان لغير المسلمين من رعايا الدولة الإسلاميّة باع غير قليل في إنمائها، كما هو معلوم. وبالتالي لا يجدر بهذه الإنجازات أن تُنسب إلى الإسلام بإطلاق لفظ العلوم الإسلاميّة أو المدنيّة الإسلاميّة أو الفنون الإسلاميّة عليها، بل الأَولى أن يُقال: العلوم لدى المسلمين، ومدنيّة المسلمين في عصر كذا، وفنون المسلمين في هذا الإقليم... أي أن تُنسب لأشخاص المسلمين وواقعهم التاريخيّ لا للإسلام بوصفه عقيدة وشريعة.
لذلك لن تتعرّض دراستنا هذه لتلك الإنجازات الّتي شهدها المجتمع الإسلاميّ في مجال العلوم والفنون والمدنيّة.