فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 301

ومن أبرز السمات الّتي ميّزت ذلك المجتمع هي قلّة احتكاكه بسائر الحضارات، ولا سيّما عرب وسط الجزيرة والحجاز مهد الدعوة الإسلاميّة. فإذا استثنينا قبائل عرب الشمال كالغساسنة والمناذرة اللخميّين وعرب الجنوب اليمنيّين وعرب منطقة البحرين، فسنجد أنّ الاحتكاك حصل فقط عن طريق القوافل التجاريّة الّتي وصلت إلى أهمّ مواطن الحضارات الكبرى كالشام والعراق وفارس والحبشة والهند، وهذا الاحتكاك كانت تغلب عليه السمة التجاريّة، ولا نجد للناحيّة الثقافيّة أو السياسيّة أو حتّى العسكريّة أثرًا مهمًّا فيه. ولعلّ أهمّ تفسير لتلك الظاهرة هو أنّ الصحراء المقفرة لم تكن لتنال اهتمام أحد من الإمبراطوريّات الكبرى القديمة، إذ لا مطمع فيها من مال أو ثروات طبيعيّة أو مواقع إستراتيجيّة، بل هي مَضيعة للجهود والطاقات العسكريّة والماليّة، وكان يكفي الإمبراطوريّتين المجاورتين الفارسيّة والبيزنطيّة أن تصطنع من قبائل عرب الشمال دويلات تابعة تحميها من خطر الغارات الّتي يشنّها بعض اللصوص وقطّاع الطرق المتسلّلين من الجنوب. أمّا سائر العرب فكانوا بمنأى عن تلك العلاقات السياسيّة. ولا تكفي غزوة كغزوة أبرهة الأشرم للدلالة على وجود احتكاك ذي شأن بين هؤلاء العرب وغيرهم. وأمّا الأديان الّتي اخترقت الجزيرة العربيّة كاليهوديّة والنصرانيّة والقليل من المجوسيّة، فإنّها بقيت جزرًا مجتمعيّة منعزلة إلى حدّ كبير عن مجتمع الجزيرة العربيّة، ولم تكن أديانهم تلقى آذانًا مصغيّة لدى عرب الجاهليّة الّذين تعوّدوا البساطة في التفكير وسادت بينهم الأميّة وندر فيهم القرّاء والكتّاب ولم يعهدوا التأليف والتصنيف وتعاطي الأفكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت