ومِن أوفى التعبيرات في التفريق بين حياة الجاهليّة وحياة الإسلام ما رواه"ابن هشام"في سيرته على لسان"جعفر بن أبي طالب"مخاطبًا"النجاشي"ملك الحبشة حين الهجرة الأولى إليها بالعبارات التاليّة: «أَيُّها الملك، كنّا قومًا أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث الله إلينا رسولًا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام… فصدّقناه وآمنّا به واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا…» (1) .
ولكنّ السؤال المهمّ الّذي يطرح نفسه في هذا المجال: كيف قام المجتمع الّذي تجلّت فيه الحضارة الإسلاميّة لأوّل مرة؟
لقد بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجتمع جاهليّ، تسوده المفاهيم والمشاعر والأنظمة الجاهليّة، فكانت مهمّته أن يحّول هذا المجتمع إلى مجتمع آخر تمامًا، وليس ذلك بتغيير أفراده والإتيان بآخرين بدلًا منهم، بل بتغيير مفاهيمه ومشاعره وأنظمته، أي بإزالة أفكار الجاهليّة ومشاعرها وأنظمتها وإيجاد أفكار ومشاعر وأنظمة إسلاميّة.
فما الطريقة الّتي اتّبعها في ذلك ؟
من خلال التدقيق في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابتداء من نزول الوحي، يتبيّن لنا أنّها تنقسم إلى ثلاث مراحل:
(1) - ابن هشام - السيرة النبويّة - تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربيّ ، بيروت - الطبعة الرابعة / 1993م ج1 - ص 362