لذلك كان نشر الإسلام هو أحد أهمّ أهداف الدولة الإسلاميّة. وقد جعل الإسلام الجهاد إحدى أهمّ الطرق لتحقيق هذا الهدف الّذي لم يكن من إنشاء الخلفاء الّذين تسلّموا الدولة الإسلاميّة بعد الرسول- صلى الله عليه وسلم - كما يصوّره بعض المؤرِّخين، من الغربيّين والعرب على السواء (1) . وإنّما هو هدف إسلاميّ قرآنيّ نصّت عليه الآيات والأحاديث على نحو لا يحتمل الشكّ ولا الجدل، وشرع بالعمل على تحقيقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن بسط سلطانه على الجزيرة العربيّة . قال تعالى: { وَقَاتِلُوهُم حتّى لا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله } (2) وقال سبحانه: { قَاتِلُوا الّذينَ لا يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولَهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحقِّ مِنَ الّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ حتّى يُعطُوا الجِزية عَن يَدٍ وَهُم صَاغِرُون (3) } . فالجهاد لم يشرع من أجل الحالات الدفاعيّة وحسب، كما يدّعي بعض المعاصرين من المثقّفين والكتّاب وأصحاب الرأي، وإنّما الهدف الأساسيّ منه هو حمل الإسلام رسالة إلى العالم.
بعد أن مدّت الحضارة الإسلاميّة جذورها في أرض الجزيرة العربيّة ووطّدت فيها أركانها، أزف وقت انتشارها خارج الجزيرة. لم يكن ذلك الانتشار من النوع الّذي عرفه التاريخ، انتشارًا بطيئًا يستغرق مئات السنين حتّى تنضج ثماره ويؤتي أكله. وإنمّا كان انتشارًا سريعًا أذهل أصحاب النظرة الواعية والمتأنية من المؤرِّخين.
(1) 4- انظر: جاك ريسلر - الحضارة العربيّة - تعريب د.خليل أحمد خليل - منشورات عويدات، بيروت باريس - الطبعة الأولى 1993 - ص 42.
(2) 5- سورة البقرة - الآية 193
(3) - سورة التوبة - الآية 29