فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 301

ويقول"ماسّينيون": « إلى محمّد يدين هذا الطراز من الرجال،وهذا الطراز من الحضارة. إنّه هو الّذي جعل من"سحابة غبار"القبائل العربيّة أمّة، ومن شتات العشائر المتناحرة دولة، ومن لهجة بالكاد تكتب، لغةً لمدنيّة عالميّة. إليه وإلى حملاته العسكريّة الأولى إلى واحات الصحراء بصلابتها العجيبة،إلى تلك السرايا يرجع ذلك التنامي الواسع الّذي مدّ الإسلام مع الفتح العربيّ إلى بلاد الإيرانييّن والترك والهند والبلقان والصين وماليزيا والسودان» (1) .

إنّنا لا نتكلّم هنا عن الفتوحات العسكريّة الإسلاميّة الّتي سبقت هذا الفتح الحضاريّ. فلقد عرف التاريخ فتوحًا عسكريّة لا تقلّ عن الفتح الإسلاميّ سرعة وانتشارًا، كفتوح الإسكندر المقدوني وفتوح جنكيزخان وهولاكو. ولكنّ الّذي لم يعرفه التاريخ قبل الإسلام، ذلك الانتشار الحضاريّ السريع الّذي لم تكن ثمرته تقويض إمبراطوريات وهزيمة جيوش وزوال أنظمة حكم وحسب. وإنّما كانت ثمرته تحوّل شعوب وأمم عن أديانها وعقائدها ولغاتها وتشريعاتها وطرائق عيشها بالجملة، لتغدو معًا أمّة واحدة ذات عقيدة واحدة وتشريع واحد وثقافة متكاملة ولغة رئيسة، وتخضع لراية خليفة واحد، ولتعيش حياة من طراز جديد ونمط مختلف، ولتشكّل معًا مجتمعًا جديدًا، إنّه مجتمع"الحضارة الإسلاميّة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت