فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 301

لقد أحدث الإسلام في الشعوب الّتي اعتنقته انقلابًا عامًّا. فرفع مستواهم العقليّ، وأوجد لديهم العقيدة الإسلاميّة، فجعلها قاعدة فكريّة تبنى عليها جميع المفاهيم، ومقياسًا لصحّة الأفكار وفسادها. ونقلهم من الإيمان الوجدانيّ التقليديّ الوراثيّ إلى الإيمان العقليّ، ومن عبادة الأصنام والنار والأشخاص وما شاكلها، وما تقتضيه هذه العبادة من انحطاط في النظر وإسفاف في الفكر إلى عبادة الله وما تقتضيه من فكر مستنير ونظر واسع. وجعلهم يصدّقون بالحياة الأخرى، ويتصوّرونها بالصورة الّتي أوضحها لهم في الكتاب والسنّة، وأوضح ما فيها من عذاب ونعيم، فصاروا يتصوّرونها ويرون أنّها هي الحياة الحقيقيّة. وبذلك صار للحياة عندهم معنى وقيمة لأنّها طريق لحياة أخرى أسعد وأخلد (1) .

فبعد أن كان الكثير منهم ينظرون إلى الحياة نظرة ماديّة بحتة، حيث الغاية هي المنفعة المادّيّة والمال والكسب والقوّة والنفوذ، من غير التفاتٍ إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا من بعث ونشور وحساب، فلا أثر للناحية الروحيّة في حياتهم، أصبحوا في ظلّ الإسلام يرون الحياة الدنيا معبرًا إلى الحياة الأخرى، فعلى الإنسان أن يعبرها طائعًا لربّه متقيّدًا بشرعه مسيّرًا أعماله بأوامر الله تعالى ونواهيه، فيأخذ متاع الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها وفق حلاله سبحانه وحرامه. فمقياس أعماله بات الحلال والحرام. فكانت فلسفة الإسلام للحياة هي مزج الروح بالمادّة. ويبيّن ذلك قوله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِين (2) } .

(1) - المرجع السابق - ص 165

(2) - سورة القصص - الآية 77

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت