وبعد أن كانت السعادة تتجلّى لدى معظم الناس في نيل أكبر قسط من المتع الجسديّة، باتت السعادة لا تتأتّى إلاّ بنيل رضوان الله تعالى، { مَن عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةًً } (1) ، { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكًا } (2) .
وهكذا فإنّ الإسلام أثّر في وجهة نظر الشعوب الّتي اعتنقته للحياة وللأعمال الّتي يقومون بها في هذه الحياة. وغيّر مراتب الأشياء، فرفع مرتبة أشياء وخفض مرتبة أخرى. فبعد أن كانت الحياة هي أعلى مرتبةً عند الإنسان، والمبدأ هو أقلّ مرتبة منها، قلب هذه المراتب فجعل المبدأ في المرتبة الأولى، وسخّر الحياة لخدمة المبدأ، فجعلها في مرتبة أعلى، وبذلك صار المسلم يبذل حياته في سبيل الإسلام لأنّه أغلى قيمة من الحياة، فاسترخص تحمّل المشقّات والمصاعب في سبيل الإسلام، وبذلك وُضعت الأشياء في المراتب اللائقة بها. فسمت الحياة، وشعر المسلم بالطمأنينة الدائمة. ولقد رسم الإسلام للناس مثلًا أعلى واحدًا لا يتعدّد ولا يتغيّر، ألا وهو رضوان الله تعالى، بعد أن كانت لتلك الشعوب مثل عليا متعدّدة متغيّرة. وتبعًا لتغيّر المثل الأعلى عند الشعوب تغيّرت معاني الأشياء عندهم عمّا كانت عليه وتغيّر مفهوم الفضائل عمّا كان عليه، وصارت أهدافهم الكبرى تتجلّى في نصرة الدين ومجاهدة الكفر وإعلاء كلمة الله والحكم بما أنزل وإخراج البشريّة من الظلمات إلى النور…وأمّا الشجاعة الشخصيّة والشهامة الفرديّة والمناصرة العصبيّة والتفاخر بالأموال والأحساب والكرم إلى حدّ الإسراف والإخلاص للقبيلة أو للقوم والقسوة في الانتقام والأخذ بالثأر وما شاكل ذلك من الصفات الّتي كانت أصول الفضائل لدى عرب الجاهليّة وذات مراتب متفاوتة لدى غيرهم. فقد جاء الإسلام ليعطيها حجمها الصحيح، فلم يجعلها أصول الفضائل، ولم يتركها
(1) - سورة النحل - الآية 97
(2) - سورة طه - الآية 124