وبعد أن يعقد فصولًا للكلام على كلّ واحد من هذه العلوم النقليّة، ينتقل إلى التفصيل في أصناف العلوم العقليّة، فيقول: «وأما العلوم العقليّة الّتي هي طبيعة للإنسان من حيث إنّه ذو فكر، فهي غير مختصّة بملّة، بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلّهم ويستوون في مداركها ومباحثها وهي موجودة في النوع الإنسانيّ منذ كان عمران الخليقة، وتسمّى هذه العلوم: علوم الفلسفة والحكمة» (1) .
ثمّ يعدِّد فروع تلك العلوم العقليّة، فيقول: «وهي سبعة: المنطق -وهو المتقدِّم منها- وبعده التعاليم، فالأرتماطيقيّ أوّلًا، ثمّ الهندسة ثمّ الهيئة ثمّ الموسيقى ثمّ الطبيعيّات ثمّ الإلهيّات. لكلّ واحد منها فروع تتفرّع عنه. فمن فروع الطبيعيّات الطبّ، ومن فروع علم العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات ومن فروع الهيئة الأزياح -وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها متى قصد ذلك- ومن فروعها النظر في النجوم على الأحكام النجوميّة» (2) .
ولا يكتفي"ابن خلدون"بتعداد العلوم العقليّة وحسب، وإنمّا يتكلّم عن كلّ واحد منها على وجه الخصوص ليميّز ما هو مقبول حسب وجهة النظر الإسلاميّة عمّا هو مرفوض لتعارضه مع الإسلام ومفاهيمه. فيعقد فصلًا «في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها» (3) ، فيتكلّم فيه عن فساد آراء الفلاسفة في الإلهيّات وخطأ منهجها وتعارضها مع العقيدة الإسلاميّة ومفاهيمها، ثمّ يعقد فصلًا «في إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها» (4) .
إنّ هذه النصوص من مقدّمة"ابن خلدون"تشير إلى مدى انضباط المسلمين في تلقّي المعرفة والتمييز بين ما هو من معارف البشر قاطبة، وما هو من معارف الأمّة الإسلاميّة خاصّة، أي بين العلوم الطبيعيّة وملحقاتِها وبين"ثقافة المجتمع الإسلاميّ".
(1) - المصدر السابق - ص 528
(2) - المصدر السابق - ص 530
(3) - المصدر السابق - ص 568
(4) - المصدر السابق - ص 574