ولنترك الكلام للعلّامة"عبد الرحمن بن خلدون"ليوضح لنا ذلك التقسيم، إذ يقول: «اعلم أنّ العلوم الّتي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف طبيعيّ للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقليّ يأخذه عمّن وضعه. والأوّل هي العلوم الحِكْميّة الفلسفيّة (1) ، وهي الّتي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشريّة إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتّى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقليّة الوضعيّة، وهي كلّها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعيّ، ولا مجال فيها للعقل إلاّ في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول (…) وأصل هذه العلوم النقليّة كلّها هي الشرعيّات من الكتاب والسنّة الّتي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلّق بذلك من العلوم الّتي تهيّؤها للإفادة، ثمّ يستتبع ذلك علوم اللسان العربيّ الّذي هو لسان الملّة وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقليّة كثيرة، لأنّ المكلّف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذة من الكتاب والسنّة بالنصّ أو بالإجماع أو بالإلحاق» (2) .
ثمّ يعدِّد فروع العلوم النقليّة، فيذكر علم التفسير وعلم القراءات وعلوم الحديث والفقه وأصوله والعقائد الإيمانيّة وما تبعها من علم الكلام وعلوم اللغة والنحو والبيان والآداب. ثمّ يقول: «وهذه العلوم النقليّة كلّها مختصّة بالملّة الإسلاميّة وأهلها» (3) .
(1) - سوف يتّضح في السطور اللاحقة أنّ ابن خلدون يعني بكلمة"الفلسفيّة"في هذا الموضع جميع فروع المعرفة العقليّة غير الدينيّة، بما فيها العلوم الطبيعيّة .
(2) - مقدّمة ابن خلدون - ص 482-483
(3) - المصدر السابق - ص 483