فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 301

إن لم تبق هذه الأسئلة مرافِقة للباحث، فسوف يكوّن صورة لا تمتّ إلى ذلك المجتمع بصلة. إذ لن يتبدّى له تراتب فروع الثقافة والمعرفة في المجتمع الإسلاميّ، فيسوّي بين كتب العقائد وكتب الفلسفة وبين أبحاث التصوّف الفلسفيّ وأدب الزهد الإسلاميّ وأدب الفسق والمجون، وبين الفقه في الدين وأفكار المدينة الفاضلة، وبين مؤلَّفات السياسة الشرعيّة وما عُرّب من كتب سياسات الملك من فارسيّة وغيرها… وهكذا، لن يكون لدى الباحث الميزان والمقياس الّذي يمكّنه من معرفة الثقافة الحقيقيّة للمجتمع. وربّما قادته ميوله الفكريّة أو العصبيّة إلى تسليط الأضواء على جوانب دون أخرى على نحو يجانب الموضوعيّة. أو لربّما أدّى انهماكه في تحرّي الجوانب المتعلّقة باختصاصه الأكاديميّ إلى أن تجذب تلك الجوانب اهتمامه فلا يعود يرى في المجتمع غيرها. كأن يركّز متخصّص في الآداب نظره على المؤلَّفات الأدبيّة والشعريّة -والّتي يستأثر بالحظّ الأوفر منها شعراء المجون وأدباء كتاب الأغاني- فيقوده هذا الانغماس في ذلك البحر من الأدب والشعر -من حيث لا يدري- إلى الحكم على المجتمع الإسلاميّ بأنّه مجتمع ترف ومجون وغزل وتشبيب وخمر… وما شاكل ذلك. وبناء على ما سبق، فإنّ البحث عن"ثقافة المجتمع"يجب أن ينطلق من النظر في طبيعة تكوينه . ولقد سبق وقرّرنا أنّ المجتمع إنّما يأخذ هويّته وطريقة عيشه من أفكاره ومشاعره الّتي تكيّف سلوكه، ومن أنظمته الّتي تنظّم علاقاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت