ثمّ اتّجه المؤرِّخون بعد ذلك إلى تدوين أحداث عهد الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم. وكان الدافع الأساسيّ وراء هذا النشاط التأريخيّ دافعًا تشريعيًّا. فأعمال الخلفاء الراشدين, في التعامل مع البلدان المفتوحة في عهدهم وفي الاقتتال الداخليّ فيما بين المسلمين, عُدَّت من قِبل العديد من الفقهاء فيما بعد أدلّة شرعيّة على العديد من الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بالأراضي وتقسيمها بين خراجيّة وعَشريّة, وعلى الأحكام المتعلّقة بأهل الذمّة والمعاهدين والمستأمنين وأحكام الحرب والسلم والأحكام المتعلّقة بقتال البغاة والمرتدّين. والجدير بالذكر في هذا المجال, أنّ تصرّفات الخلفاء الراشدين لم تكتسب أهميّتها من حيث هي تصرّفات لرؤساء الدولة وحسب, وليس أيضًا بوصفها اجتهادات صحابة كبار فقط, وإنّما من حيث هي تعبير في كثير من الأحيان عن إجماع الصحابة, وهذا هو الأهمّ. فالعصر هو عصر الصحابة الّذين يُعدّ إجماعهم لدى جمهور فقهاء المسلمين من أدلّة التشريع الإسلاميّ. فتاريخ الصحابة إذًا مادّة من موادّ التشريع.
أضف إلى ذلك أنّ الفقهاء كانوا بحاجة إلى تتبُّع تاريخ الفتوح حتّى بعد العهد الراشديّ من أجل معرفة أيّ البلاد فُتح صلحًا وأيّها فُتح عنوة, لأنّه يترتّب على ذلك تحديد الحكم الشرعيّ لهذه الأراضي من حيث هي أراضٍ خراجيّة أم عشريّة. لذلك رأينا أنّ قسطًا وافرًا من مدوّنات السنن والحديث تشمل هذه الأخبار التاريخيّة.