ولم تكن هذه الظاهرة -ظاهرة اتّباع الفقهاء - مقتصرة على عامّة الناس في المجتمع، بل كانت الدولة تدين لهم في تبنيّ جميع ما يلزمها من أنظمة لرعايّة شؤون الناس. فتلك الأنظمة في حقيقتها -سواء ما تعلّق منها بالحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة الخارجيّة- ما هي إلاّ مجموعة من الأحكام الشرعيّة الّتي تولّى المجتهدون استنباطها، وأدرجها الفقهاء ضمن موسوعاتهم ومصنّفاتهم الفقهيّة، «فرأينا أبا يوسف في كتابه"الخراج"يضع النظام الماليّ لدولة الرشيد، فيقرّر نظام الأرض ومسحها، وما يؤخذ منها وكيف يكون ذلك، ويضع نظام الضرائب على غير الأرض ممّا يُخرج البحر وغيره، ويضع نظام الريّ من الآبار والأنهار . ونجد الأئمّة الأربعة وغير الأربعة يجتهدون في وضع القوانين من ماليّة وجنائيّة وما يسمّى بالأحوال الشخصيّة» (1) .
وقد ألّف بعض الكتّاب من غير الفقهاء بعض الكتب في سياسة الحكم وإدارة الدولة، كما فعل"ابن المقفّع"في رسالته إلى الخليفة، والّتي سمّاها «رسالة الصحابة» ، إلاّ أنّ الخلفاء لم يكونوا يلتفتون إلى أمثال هؤلاء، وإنمّا كانوا يلجؤون إلى علماء الشريعة أمثال"الإمام مالك"و"أبي يوسف"و"أبي حنيفة"و"الشافعيّ" (2) …
(1) 1- ضحى الإسلام - ج1 - ص 271
(2) 2- المرجع السابق - ج1 - ص 216