وهكذا كان علماء الشريعة هم القوّامين على فكر المجتمع وحسِّه والموجِّهين لحركته، وكانوا أصحاب السلطان الحضاريّ في المجتمع الإسلاميّ، بل كانوا صمام الأمان الّذي أُنيطت به مسؤوليّة ضبط مسار المجتمع وحمايته من الانحراف عن هويّته الإسلاميّة، فإذا قصّروا فيها انعكس الأمر وبالًا على المجتمع برمّته. وها هم حين أساؤوا في أداء المهمّة الّتي وكلوا بها، تحوّل الناس إلى مذهبيّات متعصّبة، يتقاتلون في بعض الأحيان بدافع من عصبيّتهم لمذهبهم، فيجرّوا الخراب إلى مدنهم وقراهم وأحيائهم (1) . إلاّ أنّ تلك الأحداث بقيت - على مأساويّتها - تنتصب دليلًا على قوامة الفقهاء على المجتمع.
إنّ ما سلف من الكلام عن علماء الشريعة وما لهم من أثر في الحياة الإسلاميّة، إنّما تبرز ثمرته في محاولة النظر إلى ماهيّة"ثقافة المجتمع الإسلاميّ"والمكوِّن الأساسيّ لها. فإنّه إذا ثبت أنّ هؤلاء العلماء إنّما يَصدرون في علمهم وفقههم وآرائهم عن الإسلام عقيدةً وشريعة، وينطلقون من القرآن والسنّة، ثبت بطبيعة الحال أنّ ثقافة المجتمع هي ثقافة إسلاميّة بقدر ما يستلهم أفكاره وأحكامه ومواقفه وقناعاته ومقاييسه من هؤلاء العلماء .
(1) 3- انظر: أحمد أمين - ظهر الإسلام - دار الكتاب العربيّ ، بيروت - الطبعة الخامسة -دون تاريخ - ج2 - ص 4-5