لقد أدرك جميع الباحثين سواء أكانوا من المسلمين أو غيرهم من المستشرقين وسائر المؤرِّخين الغربيّين سلطان الشريعة وعلمائها على المجتمع الإسلاميّ، وهو سلطان ثقافيّ حضاريّ لا ماديّ. فمن ذلك على سبيل المثال ما يقوله"دومينيك وجانين سورديل": «يجب أن يربط بالإسلام حقًّا نوع من الثقافة يتميّز على الصعيد العقليّ ببروز العلوم الفقهيّة والدينيّة الّتي قامت على احترام التقليد، والّتي وفّرت للإسلام بنيته المذهبيّة. ويصدر عن الإسلام أيضًا نمط اجتماعيّ يولي المقام الأوّل -إلى جانب سلطة زمنيّة مسلّم بها أكثر مما هي مبرَّرة- للعلماء والفقهاء والقضاة الّذين يُعتبرون جدًّا -من قبل معاصريهم- مخوَّلين مكانةً معنويّة لا تُطال، هذا إذا لم نقل آمرة قاهرة. من هنا يأتي هذا الحرص على التقليد الشرعيّ وهذا الاحترام لمفسّري الشريعة اللّذان يلوّنان أخلاقيّاتٍ -عامّة أو فرديّة- يسيطر عليها التطبيق الدائم للفرائض الدينيّة» (1) .
إلاّ أنّ كثيرًا من الباحثين الغربيّين أبوا إلاّ أن ينسبوا الشريعة الإسلاميّة إلى مصادر تاريخيّة سابقة أو معاصرة لظهور الدعوة الإسلاميّة. فكان من أبرز المقولات في ذلك المجال القول بأنّ الفقه الإسلاميّ تأثّر بالتشريع الرومانيّ إلى حدّ كبير. فما مدى صدق هذا الادّعاء ؟
(1) 1- دومينيك وجانين سورديل - الحضارة الإسلاميّة في عصرها الذهبي - ترجمة حسني زينة - دار الحقيقة ، بيروت - الطبعة الأولى 1980 - ج1 - ص 11