إلا أنهم لم يفوا بوعودهم بل عمدوا إلى تأمين مقتضيات الاحتلال ومتطلباته قبل كل شيء، والعمل على"تهنيد"العراق وخاصة القسم الجنوبي منه، وذلك بإشاعة النظم والقوانين والمبادئ الإدارية الهندية تمهيدًا لضم جنوب العراق إلى الهند، كما اهتموا بكسب ودّ العشائر لخدمة المصالح البريطانية، فزودوها بالمال والسلاح ومنحوها إقطاعات كبيرة من الأرض. كما عامل الإنجليز الأهالي معاملة العدو المغلوب، واستولوا على جميع الوظائف في الدولة، وجنّدوا الفلاحين لعمل السُخْرة، وحظروا تجارة المواد الغذائية إلا بعد تأمين حاجة الجيش، ونفوا زعماء العشائر والضباط العرب الذين اشتركوا في الثورة العربية الكبرى إلى الهند وسيلان ومصر. هذا فضلًا عن فرض الضرائب الباهظة التي أثقلت كاهل الشعب العراقي، وذلك لتغطية نفقات الجيش البريطاني في العراق.
وتحوّل شعور الشعب العراقي من الدهشة والاستغراب والمفاجأة من هذه الأعمال إلى نقمة ثورية وحين سمع العراقيون بإقامة حكومة عربية في دمشق، وبالمبادئ الأربعة عشر للرئيس الأمريكي ولسون، وبخاصة مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، بادروا إلى تكوين جمعيات تطالب بالاستقلال، مثل حرس الاستقلال وجمعية العهد، اللتين تأسستا عام 1919م. وأرسل بعض الضباط العراقيون مذكرة إلى الحكومة البريطانية تطلب إقامة حكومة وطنية في العراق. ولكن الرد البريطاني كان مخيبًا للآمال، كما أن مقررات مؤتمر سان ريمو عام 1920م أوضحت نوايا الحلفاء الاستعمارية والتي تقرر بموجبها فرض الانتداب البريطاني على العراق. الأمر الذي أثار استياء الشعب العراقي وغضبه مما دفعه للكفاح من أجل التخلص من الاحتلال ونيل الاستقلال.