وعلى كل حال حظيت الحركة الأدبية برعاية فائقة على يد عدد من هؤلاء الحكام الذين كانوا أنفسهم شعراء وأدباء، كالمعتمد بن عَبَّاد في أشبيليا والمظفر وابنه المتوكّل في بَطْلَيَوْس. كما أصبحت مراكز الأدب وإشعاعاته ليست في قرطبة وحدها كما كان الحال في عصر الدولة الأموية، ولكن تعددت مراكز الثقافة بتعدد العواصم، وقد أخذ العلماء والأدباء والشعراء يقصدون كل بلاط رغبة في نيل الحظوة وتكريم الحكّام لهم. ومن ثم فليس عدلًا أن نحكم على عصر الطوائف حكمًا أدبيًا من منظور فرقته وضعفه السياسيين، فالعصر وإن تردَّى سياسيًا، فقد نهض نهضة أدبية واسعة.
دولة المرابطين (495 - 555هـ) . نشأت دولة المرابطين في المغرب على يد أحد زعماء قبائل صنهاجة، وكان أساسها دينيًا. وبعد موت مؤسسها آل أمرها إلى أسرة بني تاشفين، وكان يوسف بن تاشفين هو المقدم في هذه الدولة التي أقامها على قاعدة من الجهاد الديني العريض.
المعتمد بن عباد (رسم متخيَّل)
وفي هذه الفترة جمع الأسبان قوتهم تحت راية الصليب، وهاجموا الدويلات الأندلسية وقضوا عليها واحدة تلو الأخرى، حتى بلغوا مدينة أشبيليا عاصمة ابن عبَّاد، فاضطر حاكم أشبيليا المعتمد بن عباد إلى طلب النجدة من أمير المرابطين بالمغرب وعندما روجع في ذلك قال قولته المشهورة (رعي الجمال خير من رعي الخنازير) . وكان أنْ لَبَّى يوسف بن تاشفين استغاثة الأندلس وعبر إلى نجدتهم وانتصر على الفرنجة في الموقعة المشهورة بالزَّلاقة (479هـ) وعاد إلى المغرب منصورًا مظفرًا. انظر: الزلاقة، موقعة.
وتنقضي ثلاث سنوات ويناوش الفرنجة المعتمد مرة أخرى، فيستعين ثانية بابن تاشفين الذي عبر إلى الأندلس وقضى على الأعداء (484هـ) ولكنه في هذه المرة قضى على ملوك الطوائف معهم وضمّ الأندلس إلى ملكه وبدأ حكم المرابطين عليها. وتوفي يوسف سنة 500هـ وقام ابنه عليٌ بالأمر من بعده.