ظهرت في التراث العربي كثير من الشخصيات الفكاهية، وقد اشتهر منها أشعب وأبودلامة وأبو العِبَر. وتناول كثير من الأدباء العرب الفكاهة، لما لها من مزايا، واتخذ التأليف في هذا الباب صورتين: فريق من الكتاب عرض للفكاهة في ثنايا كتبه، كما فعل الجاحظ في كتاب الحيوان، وأبوحيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة، وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه: الأغاني، وغيرهم.
وهناك فريق آخر من الكُتَّاب، أفردوا الفكاهة بكتب خاصة، منهم: الجاحظ في كتابه: البخلاء وأبو الطيب محمد بن إسحاق الوشاء، في كتابه: الموشى أو الظَّرف والظُّرفاء. وأبو منصور الثعالبي في كتابه: لطائف اللطف. وأبو الفرج عبدالرحمن بن علي ابن الجوزي في كتابيه: أخبار الحمقى والمُغفلين، وأخبار الظُّراف والمُتماجنين، والخطيب البغدادي في كتابه: التطفيل وحكايات الطُّفيليين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم.
صور من الفكاهة عند العرب. ذكر الرُّواة أنَّه مات لبشار بن برد حمار، فلمّا زاره أصدقاؤه للعزاء، أظهر لهم أنَّه مغموم محزون، فألحّوا عليه في السؤال يريدون أن يعرفوا سبب حزنه وغمّه، فقال لهم: إنَّني رأيت حلمًا مزعجًا، رأيت حماري في النَّوم، فقلت له: ويلك! مالك مِتّ؟. قال: إنَّك ركبتني يوم كذا، فمررنا على باب الأصبهاني، فرأيت أتانًا (أُنثى الحمار) عند بابه، فعشقتها فمِتُّ. وزعم بشّار أنَّ حماره أنشده المقطوعة التّالية:
سَيِّدي مِلْ بِعَناني
نَحوَ باب الأَصْبهاني
إنَّ بالبابِ أتانًا
فَضَلَتْ كُلَّ أتانِ
تيَّمتني يَومَ رُحْنا
بثناياها الحِسانِ
تيَّمتني بِبَنانٍ
وَبِدَلٍّ قد شجاني
وبِحُسنٍ ودلالٍ
سَلَّ جِسمي وبراني
ولها خَدٌّ أسيلٌ
مِثلُ خَدِّ الشَّيفرانِ
فبها مِتُّ ولوعِشـ
ـتُ إذن طال هواني
فقال له أحد جلسائه: ما الشَّيفران ؟!. قال: ما يُدريني؟! هذا من غريب الحمر، فإذا لقيتم حمارًا فسلوه.