فعملية الانتخاب الطبيعي وإن ظهرت لنا في الكون بهذا الشكل، فإن هناك حكمة إلهية لهذا الانتخاب. فالله عز وجل خالق كل شيء، ويعلم مافي الأرحام، ويعلم مافي الأرض وما في السماء ومقدر الآجال وواضع الأسباب والمسببات. فهو عز وجل يعلم أن ذاك الشيء أو هذا الكائن عمره محدود بأجل فإذا جاء هذا الأجل ـ بأي سبب من الأسباب ـ زال هذا الكائن من الوجود وبقي غيره إلى أن يحين أجله المقدَّر. قال الله تعالى: ? فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ? الأعراف: 34. وقال أيضًا: ? يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ? الحديد: 2.
أما إطلاق بعضهم على هذه النظرية ـ البقاء للأصلح ـ فإنه إن صح فإنما يكون من ناحية أن الله عز وجل ـ وهو خالق الكون ومدبِّره ـ يعلم أن عدم هذا الكائن أصلح من بقائه، أو هذا الكائن بقاؤه أصلح من عدمه ـ وذلك لحكمة كونية أيضًا ـ إما لفساد الحال أثناء وجوده أو صلاحه أثناء عدمه. وقد يكون لله عز وجل في البقاء والعدم حكم أخرى لاندركها نحن وكل شيء عنده بمقدار. قال تعالى: ? لكل أجل كتاب ? الرعد: 38.
ومن خلال هذا يظهر أن ما ذهب إليه العالم الطبيعي ـ تشارلز داروين ـ من أن النباتات والحيوانات يموت بعضها مبكرًا قبل الأوان حسب فعل الطبيعة ـ أمر لا يتفق مع التصور الإسلامي.
كذا يظهر لنا أن ما اعتقده ـ داروين ـ من أن هناك مصدرًا محدودًا من الغذاء والماء وضروريات البقاء فإن نال منه البعض عاش وبقي وإلا مات وانتهى ـ أمر أيضًا لا يتفق مع الدين الإسلامي ـ حيث قد تكفّل الله عز وجل بالغذاء والماء لكل ما في الأرض. قال تعالى: ? وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين . ? هود: 6. وأما نيل بعض الكائنات من الغذاء دون البعض الآخر، فهذا لا يغير من آجالها شيئًا وإنما هو فقط سبب من الأسباب التي وضعها الله عز وجل في البقاء والعدم.