فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 155

مكفرات الذنوب

في القرآن والسنة

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنَّة

علي بن نايف الشحود

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله غافر الذنوب، وكاشف الكروب، وساتر العيوب، وقابل التوب، أحمده وأشكره وأستغفره، وإليه من كل حوبٍ أتوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علاَّم الغيوب، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله ، خير نبي مرسل وأكرم شافع مفضل ، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه البدور الكمَّل وسلَّم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين .

أما بعد: فإن الله تعالى وعد عباده المؤمنين مغفرته في كتابه المبين، وعلى لسان رسوله الصادق الأمين فقال سبحانه وتعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } (53) سورة الزمر.

وبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بالمغفرة في أحاديث كثيرة منها: عن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِى لاَ تُشْرِكُ بِى شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً » . رواه الترمذي [1] .

وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ بِعِزَّتِكَ وَجَلاَلِكَ لاَ أَبْرَحُ أُغْوِى بَنِى آدَمَ مَا دَامَتِ الأَرْوَاحُ فِيهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ فَبِعِزَّتِى وَجَلاَلِى لاَ أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِى » [2] .

وهذا الكتاب قد جمعت فيه الآيات والأحاديث المقبولة التي تتعلق بمغفرة الذنوب ، التي يقع بها الإنسان ، وما أكثرها ، وقد قسمته إلى بابين:

الباب الأول- آيات المغفرة في القرآن الكريم:

وفيه الفصول التالية:

الفصل الأول-عدم مغفرة ذنوب الأصناف التالية

الفصل الثاني-مضاعفة الحسنات دون السيئات

الفصل الثالث-أسباب تخلف الوعيد ...

الفصل الرابع-الحث على التوبة

الفصل الخامس-مغفرة الذنوب

الباب الثاني- كفارات الذنوب في السنة النبوية

وفيه فصلان

الفصل الأول- في الأفعال والأقوال المحصلة للمغفرة إن شاء الله تعالى

الفصل الثاني- فيما ورد من أحاديث فيها نجاة من أو عتق من النار ...

وأما طريقتي في العمل فهي كما يلي:

بالنسبة للآيات فهي مشكلة ، معزوة لمظانها في القرآن الكريم ، بالرسم العادي.

وقد قمت بشرحها بشكل موجز ، بما يوضح معناها ، ويبين مرماها .

وأما بالنسبة للأحاديث فقد استقصيت الأحاديث الصحيحة والحسنة بشقيها ، وبعض الأحاديث الضعيفة المتممة لها وهي مما يستحبُّ العمل به في فضائل الأعمال بشروطها [3] .

وحكمت على الأحاديث صحة وضعفًا وفق المنهج الوسط الذي سار عليه علماء الجرح والتعديل .

وصنتهُ من الأحاديث المنكرة والواهية والساقطة ، وما دونها ، حيث إن غالب الكتب المؤلفة في هذا الموضوع مليئة بالمناكير والواهيات ، بل وبعض الموضوعات أحيانًا .

ولم أفصِّل في التخريج ، بل أوجزت ليكون كتابا لعامة الناس ، وليس للباحثين، إذ لكلِّ مقامٍ مقالٌ.

وقد شرحت بعض الكلمات الغريبة ، ووضحت بعض الأمكنة ولا سيما التوبة ونحوها من أجل التوضيح أو إزالة لبس .

وقد ذكرت المصادر الهامة بنهايته .

وقد فصلت القول في مقدمة كتابي (( الخصال الموجبة لدخول الجنة في القرآن والسنة ) )حول الحساب والجزاء يوم القيامة .

والخلاصة أن من مات موحدا لا يخلدُ في النار - إن دخلها - وسيعود للجنة ولو بعد حين بإذن الله تعالى ، ومن تاب تاب الله عليه مهما كانت ذنوبه ، وأن من زادت حسناته على سيئاته يوم القيامة لا يدخلُ النار أصلا ويذهب به إلى الجنة مباشرة ، ولا من تساوت أيضًا ، ولو أخِّرَ عن الدخول قليلًا ، وهم أهل الأعراف.

ولا يحتمُ بدخول النار إلا من مات على الكفر أو الشرك أو النفاق العقدي ، وما سواه قابلٌ للمغفرة قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (48) سورة النساء.

وعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ ، قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِتِسْعٍ: لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا ، وَإِنْ قُطِّعْتَ أَوْ حُرِّقْتَ ، وَلاَ تَتْرُكَنَّ الصَلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ مُتَعَمِّدًا ، وَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا ، بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ ، وَلاَ تَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ ، وَأَطِعْ وَالِدَيْكَ ، وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ دُنْيَاكَ ، فَاخْرُجْ لَهُمَا ، وَلاَ تُنَازِعَنَّ وَلاَةَ الأَمْرِ ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّكَ أَنْتَ ، وَلاَ تَفْرِرْ مِنَ الزَّحْفِ ، وَإِنْ هَلَكْتَ وَفَرَّ أَصْحَابُكَ ، وَأَنْفِقْ مِنْ طَوْلِكَ عَلَى أَهْلِكَ ، وَلاَ تَرْفَعْ عَصَاكَ عَلَى أَهْلِكَ ، وَأَخِفْهُمْ فِي اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. [4]

أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه والدالُّ عليه وناشره في الدارين آمين .

وكتبه

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في 27 جمادى الآخرة لعام 1429 هـ الموافق ل 1/7/2008 م

الباب الأول

آيات المغفرة في القرآن الكريم

الفصل الأول

عدم مغفرة ذنوب الأصناف التالية

قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } (48) سورة النساء

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ بِأَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ لِعَبْدٍ جَاءَ اللهُ مُشْرِكًا بِعِبَادَتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ يَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الذُّنُوبِ ، لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا ، لاَ يَسْتَحِقُّ مَعَهُ الغُفْرَانَ .

وَالشِّرْكُ ضَرْبَانِ:

-شِرْكٌ فِي الأُلُوهِيَّةِ - وَهُوَ الشُّعُورُ بِسْلَطَةٍ وَرَاءَ الأسْبَابِ وَالسُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ لِغَيْرِ اللهِ .

-شِرْكٌ فِي الرّبُوبِيَّةِ - وَهُوَ الأَخْذُ بِشَيءٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَنْ بَعْضِ البَشَرِ دُونَ الوَحْي .

وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا } (116) سورة النساء

إنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ سِوَاهُ ، أمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ فَإنَّ اللهَ قَدْ يَغْفِرُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ؛ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا فَقَدْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الحَقِّ ، وَضَلَّ عَنِ الهُدَى ، وَابْتَعَدَ عَنِ الصَّوَابِ ، وَأهْلَكَ نَفْسَهُ ، وَخَسِرَهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .

إن الشرك انقطاع ما بين الله والعباد . فلا يبقى لهم معه أمل في مغفرة . إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون . مقطوعو الصلة بالله رب العالمين . وما تشرك النفس بالله ، وتبقى على هذا الشرك حتى تخرج من الدنيا - وأمامها دلائل التوحيد في صفحة الكون وفي هداية الرسل - ما تفعل النفس هذا وفيها عنصر من عناصر الخير والصلاحية .

إنما تفعله وقد فسدت فسادًا لا رجعة فيه! وتلفت فطرتها التي برأها الله عليها ، وارتدت أسفل سافلين ، وتهيأت بذاتها لحياة الجحيم!

أما ما وراء هذا الإثم المبين الواضح الظاهر ، والظلم العظيم الوقح الجاهر . . أما ما وراء ذلك من الذنوب - والكبائر - فإن الله يغفره - لمن يشاء - فهو داخل في حدود المغفرة - بتوبة أو من غير توبة كما تقول بعض الروايات المأثورة الواردة - ما دام العبد يشعر بالله؛ ويرجو مغفرته؛ ويستيقن أنه قادر على أن يغفر له؛ وأن عفوه لا يقصر عن ذنبه . . وهذا منتهى الأمد في تصوير الرحمة التي لا تنفد ولا تحد؛ والمغفرة التي لا يوصد لها باب؛ ولا يقف عليها بوّاب!

ــــــــــــــ

(1) - سنن الترمذى برقم (3885 ) وأحمد برقم (22089 و22125) والطبراني برقم (12177 ) من طرق وهو حسن لغيره - عنان: السحاب القُراب: قراب الأرض أى بما يقارب ملأها

(2) - مسند أحمد برقم (11548) وهو حديث حسن

(3) - انظر إن شئت كتابي (( الخلاصة في أحكام العمل بالحديث الضعيف ) )

(4) - أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( 18) والمسند الجامع - (ج 14 / ص 609) (10976) من طرق عنه وعن غيره وهو حديث حسن

الذمة والذمام: العَهْد، والأمَانِ، والضَّمان، والحُرمَة، والحقِّ -الزحف: الجهاد ولقاء العدو في الحرب - الطول: السعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت