فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 155

قال تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) } [النساء/145-146]

يَقُولُ تَعَالَى إنَّ المُنَافِقِينَ سَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي أَسْفَلِ طَبَقَاتِ ( دَرَكَاتِ ) نَارِ جَهَنَّمَ ، وَلَنْ يَنْصُرَهُمْ أَحَدٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ .

الدَّرْكِ - الطَّبَقَةِ تَكُونُ أَسْفَلَ مِنَ الأُخْرَى . وَالنَّارُ سَبْعُ دَرَكَاتٍ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهَا مُتَدَارِكَةٌ مُتَتَابِعَةٌ.

أمَّا الذِينَ يَتُوبُونَ مِنَ المُنَافِقِينَ ، وَيُقْلِعُونَ عَنِ النِّفَاقِ وَالكُفْرِ ، وَيُخْلِصُونَ دِينَهُمْ وَعَمَلَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يُصْبِحُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ، وَسَيَنَالُهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ الذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُتَّقِينَ .

وقال تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) } [التوبة/75-80]

وَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ أَعْطَى اللهَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ لَئِنْ أَغْنَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَأَعْطَاهُ مَالًا وَثَرْوَةً لَيَشْكُرَنَّ اللهَ عَلَى نِعْمَتِهِ بِالصَّدَقَةِ مِنْهَا ، وَلَيَعْمَلَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الصَّلاَحِ ، مِنَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ .

فَلَمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ، وَأَعْطَاهُمْ مَا طَلَبُوا ، لَمْ يُوفُوا بِالعَهْدِ ، وَبَخِلُوا بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَأَمْسَكُوهُ فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا مِنْهُ بِشَيءٍ . وَتَوَلَّوْا وَانْصَرَفُوا عَنِ الاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالصَّلاَحِ ، وَإِصْلاَحِ حَالِهِمْ وَحَالِ أُمَّتِهِمْ ، كَمَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ .

فَكَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ البُخْلِ وَالتَّوَلِي بَعْدَ العَهْدِ وَالْمِيثَاقِ أَنْ تَمَكَّنَ النِّفَاقُ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَلاَزَمَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، لأَنَّهُمْ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ مَعْ هَذَا النِّفَاقِ فِي التَّوْبَةِ ، وَذَلِكَ لِتَمَكُّنِ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النِّفَاقِ فِي قُلُوبِهِمْ وَهُمَا: الكَذِبَ فِي اليَمِينِ ، وَإِخْلاَفُ الْعَهْدِ .

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَالنَّجْوَى ، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يُسِرُّونَ غَيْرَ مَا يُعْلِنُونَ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ مَالٌ تَصَدَّقُوا وَشَكَرُوا عَلَيْهِ ، فَاللهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، لأَنَّهُ تَعَالَى عَلاَّمُ الغُيُوبِ ، فَكَيْفَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللهِ بِمَا يُعَاهِدُونَهُ عَلَيْهِ؟

وَمِنْ صِفَاتِ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ أَيْضًا أَنَّهُمْ لاَ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ عَيْبِهِمْ ، وَلَمْزِهِمْ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ . إِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَتَصَدَّقُ بِمَالٍ جَزِيلٍ قَالُوا: هَذَا مُرَاءٍ . وَإِنْ جَاءَ بِشَيءٍ يَسِيرٍ ، قَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا .

فعَنْ أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ ، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا ، وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلاَّ رِئَاءً . فَنَزَلَتْ {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (79) [1] سورة التوبة.

وَسَخِرَ المُنَافِقُونَ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ الذِينَ اجْتَهَدُوا فِي التَّصَدُّقِ قَدْرَ طَاقَتِهِمْ ، فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: إِنَّهُ جَازَاهُمْ بِمِثْلِ ذَنْبِهِمْ ، فَجَعَلَهُمْ سُخْرِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، بِفَضِيحَتِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِبَيَانِ مَخَازِيهِمْ وَعُيُوبٍِهِمْ ، وَادَّخَرَ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ القِيَامَةِ .

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا أَهْلًا لِلاسْتِغْفَارِ ، وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُم النَّبِيُّ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ، وَذَلِكَ لإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِوَاحْدَانِيًّةِ اللهِ ، وَوَحْيهِ لِرَسُولِهِ ، وَلِشَكِّهِمْ فِي أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى ، وَغَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ » [2] .

وقال تعالى: { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) } [التوبة/61-66]

وَمِنَ المُنَافِقِينَ قَوْمٌ يُؤْذًُونَ رَسُولَ اللهِ بِالكَلاَمِ فِيهِ ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أُذُنٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحٍَ ، وَمَنْ قَالَ لَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ ، وَمَنْ حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا .

فَقُلْ لَهُمْ: هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقًّاُ ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الخَلْقِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِأُذُنٍ فِي سَمَاعِ البَاطِلِ وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ ، إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَيُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ ، وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ . وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ بِالقَوْلِ أَوْ بِالعَمَلِ قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الآخِرَةِ .

قَالَ رَجُلٌ مِنَ المُنَافِقِينَ عَنْ رُؤَسَاءِ المُنَافِقِينَ ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ( إِنَّ هَؤُلاَءِ لَخِيَارُنَا وَأَشْرَافُنَا ، وَإِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا ، لَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ ) . فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لاَ يَقُولُ إِلاَّ حَقًّا ، وَلأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمَارِ ) . ثُمَّ ذَهَبَ المُسْلِمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُحَدِّثُهُ بِمَا جَرَى . فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إِلَى المُنَافِقِ وَسَأَلَهُ ، وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ؟ فَأَخَذَ المُنَافِقُ يَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّهُ مَا قَالَ ذَلِكَ . وَقَالَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ صَدِّقِ الصَّادِقَ ، وَكَذِّبْ الكَاذِبَ . فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الْكَرِيمَةَ .

فَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَالُوا مَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِمَّا يُورِثُ أَذَى النَّبِيِّ لِيُرْضُوكُمْ ، فَلاَ تُخْبِرُوا النَّبِيَّ ، مَعْ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَقُّ بِالإِرْضَاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ، لأنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ . وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .

أَلاَ يَعْلَمُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ مَن شَاقَّ اللهَ وَرَسُولَهُ بِتَعَدِّي حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَحَارَبَهُمَا وَخَالَفَهُمَا ، وَلَمَزَ رَسُولَ اللهِ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ ، فَإِنَّهُ سَيَصْلَى نَارَ جَهَنَّمَ ، وَيَبْقَى خَالِدًا فِيهَا ، وَهَذا هُوَ الذُّلُ العَظِيمُ ، وَالشَّقَاءُ الكَبِيرُ .

كَانَ المُنَافِقُونَ يَقُولُونَ القَوْلَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَقُولُونَ عَسَى اللهُ أَنْ لاَ يَفْشِي عَلَيْنَا سِرَّنَا هَذَا بِإِنْزَالِ آيَةٍ عَلَى رَسُولِهِ ، تَفْضَحُ مَا قُلْنَاهُ .

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلًا: إِنَّهُ سَيُخْرِجُ مَا يَحْذَرُونَ لِيَعْلَمَهُ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ ، فَلْيَسْتَهْزِئُوا مَا شَاؤُوا .وَخَوْفُ المُنَافِقِينَ مِنَ الْفَضِيحَةِ ، وَمِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، همُاَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الشَّكِّ وَالارْتِيَابِ ، لأَنَّهُمْ مُذَبْذَبُونَ ، لاَ هُمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ الْمُوقِنِينَ ، وَلاَ هُمْ بِالكَافِرِينَ الجَازِمِينَ بِصِحَّةِ الكُفْرِ

حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مُنْطَلِقًا فِي الطَّرِيقِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ بَعْضُ المُنَافِقِينَ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جَلاَدَ بَنِي الأَصْفَر ( يَعْنِي الرُّوم ) كَقِتَالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَاللهِ لَكَأَنَّنَا بِكُمْ غَدًا مُقْرَّنِينَ فِي الحِبَالِ؟ وَكَانَ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ إِرْجَافًا ، وَتَرْهِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ . فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَدْرِكِ القَوْمَ فَقَدِ احْتَرَقُوا ، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا ، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا . . فَقَالَ لَهُمْ عَمَّارُ ذَلِكَ فَأَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّمَا كَنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ . أَيْ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا جَادِّينَ فِيمَا يَقُولُونَ ، وَإِنَّمَا قَالُوا مَا قَالُوا لِلتَّسَلِّيِ وَالتَّلَهِّي ، وَفِي ظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ مَقْبُولٌ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اتِخَاذَ الدِّينِ هَزْوًا وَلِعِبًا كُفْرٌ مَحْضٌ ، لأنَّ الخَوْضَ وَالَّلعِبَ فِي صِفَاتِ اللهِ ، وَشَرْعِهِ وَآيَاتِهِ ، المُنْزَّلَةِ هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِهَا .

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ: لاَ تَعْتَذِرُوا عَمَّا قُلْتُمْ ، فَقَدْ كَفَرْتُمْ بِهَذَا القَوْلِ الذِي اسْتَهْزَأْتُمْ بِهِ بِآيَاتِ اللهِ . وَاعْتِذَارُكُمْ هُوَ إِقْرَارٌ بِذَنْبِكُمْ ، فَإنْ يَعْفُ اللهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِكُمْ لِتَوْبَتِهِمْ ، فَإِنَّهُ سَيُعَذِّبُ بَعْضًا آخَرَ لأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ بِهَذِهِ المَقَالَة الفَاجِرَةِ ، وَلأَنَّهُمْ ظَلُّوا مُصِرِّينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ .

ــــــــــــــ

(1) - صحيح البخارى (4668)

(2) - صحيح البخارى (34) ومسلم (219 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت