فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 155

قال تعالى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) } [التوبة/101-102]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي أَحْيَاءِ العَرَبِ ، مِمَّنْ هُمْ حَوْلَ المَدِينَةِ ، مُنَافِقِينَ ، كَمَا يُوجَدُ مُنَافِقُونَ بَيْنَ أَهْلِ المَدِينَةِ ، وَقَدْ تَمَرَّنُوا عَلَى النِّفَاقِ ، وَحَذَقُوهُ ، حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الغَايَةَ فِي إِتْقَانِهِ ، وَأَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ العَسِيرِ كَشْفُهُمْ وَمَعْرِفَتُهُمْ ( مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ) ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَعْرِفُهُمْ ، وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُهُمْ ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدًُّنْيَا مَرَّتِينِ:

أُولاهُمَا: - فِيمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ المَصَائِبِ وَالخَوْفِ مِنَ الفَضِيحَةِ بِهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ .

وَثَانِيَتَهما - فِي آلاَمِ المَوْتِ ، وَضَرْبِ المَلاَئِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ حِينَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ .

بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى حَالَ المُتَخَلِفِينَ عَنِ الجِهَادِ تَكْذِيبًا وَشكًّا ، شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهَادِ كَسَلًا ، مَعَ إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ ، فَقَالَ: وَهُنَاكَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ، وَأَقرُّوا بِهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ خَلَطُوا بِهَا أَعْمَالًا سَيِّئَةً ، هِيَ تَقَاعُسُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَتِهِ ، وَقُعُودُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَهَؤُلاَءِ تَحْتَ عَفْوِ اللهِ وَغُفْرَانِهِ ، وَقَدْ يُوَفِّقُهُمْ إلى التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ لأنَّهُ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ .

( وَرُوِيَ أَنَّ هَذِه ِالآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ غَزْوَتِهِ ، رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوارِي المَسْجِدِ ، وَحَلَفُوا لاَ يَحُلُّهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَة أَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ، وَعَفَا عَنْهُمْ ) [1] .

وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا « أَتَانِى اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِى ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ قَالاَ لَهُمُ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِى ذَلِكَ النَّهْرِ . فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ ، فَصَارُوا فِى أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالاَ لِى هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ قَالاَ أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ » [2] .

ــــــــــــــ

(1) - انظر تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 466)

(2) - صحيح البخارى (4674 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت