قال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) } [الزمر/53-56]
يَدْعُو اللهُ تَعَالَى العُصَاةَ والكَفَرَةَ والمُسْرِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَجَاوَزِ حُدُودِ مَا شَرَعَ اللهُ ، إِلَى التَّوْبَةِ والإِنَابَةِ إِلَيهِ تَعَالَى ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ تَابَ وَأَنَابَ ، وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيَانِ والإِسْرَافِ فِي الأَمْرِ ، إِلَى الإِيْمَانِ والطَّاعَةِ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ وَهُوَ الرَّحِيمُ .
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ تَعَالَى بِقَومٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ [1]
وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرُوا الذُّنُوبَ وَمَا يُقَارِفُونَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ" [2]
وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ: لَوْلا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ ، لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ .وفي رواية: لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ [3] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: لَوْ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يُذْنِبُوا ، لَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقًا يُذْنِبُونَ ، ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُمْ ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [4] ."
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ يَغْفِرُ لَكُمْ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ" [5] ."
وَيَسْتَحِثُّ اللهُ تَعَالَى الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِلَى المُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ ، وَيَقُولُ لَهُم: ارْجِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ بِالتَّوْبَةِ ، والعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ بِكُمْ نِقَمُهُ ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذَابُ ، وَحِينَئِذٍ لاَ تَجِدُونَ مَن ْيَنْصُرُكُمْ مِنْ بَأَسِ الله . وَلاَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْكُمْ عَذَابَهُ .
ثُمَّ يَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ( وَهُوَ أَحْسَنُ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَى عِبَادِهِ ) ، وَبِاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، مِنْ قَبلِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِم العَذَاب فَجْأَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ، وَلاَ يَنْتَظِرُونَ وَقُوعَهُ حِينَ يَغْشَاهُمْ
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالإِيمَانِ وبِالرُّجُوعِ إِلَيهِ تَعَالَى لِكَيلاَ يَأْتِيَ يَومُ القَيَامَةِ ، فَتَقُولَ بَعْضُ الأَنْفُسِ حِينَ تَرَى صِدْقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلَ: يَا حَسْرَتِي عَلَى تَقْصِيرِي فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى ، وَعَلى سُخْرِيتِي وَاسْتِهْزَائِي بِرَسُولِ اللهِ ، وَبَمَا جَاءَنِي بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ .
إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية . كائنة ما كانت وإنها الدعوة للأوبة . دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال . دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله . إن الله رحيم بعباده . وهو يعلم ضعفهم وعجزهم . ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه . ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد . ويأخذ عليهم كل طريق . ويجلب عليهم بخيله ورجله . وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث! ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه . وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده . وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك؛ ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم . .
يعلم الله سبحانه عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون؛ ويوسع له في الرحمة؛ ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيء له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط . وبعد أن يلج في المعصية ، ويسرف في الذنب ، ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره ، ولم يعد يقبل ولا يستقبل . في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط ، يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعًا . إنه هو الغفور الرحيم } . .
وليس بينه وقد أسرف في المعصية ، ولج في الذنب ، وأبق عن الحمى ، وشرد عن الطريق ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية ، وظلالها السمحة المحيية . ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة . التوبة وحدها . الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع ، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون .
الإنابة . والإسلام . والعودة إلى أفياء الطاعة وظلال الاستسلام . . هذا هو كل شيء . بلا طقوس ولا مراسم ولا حواجز ولا وسطاء ولا شفعاء !
إنه حساب مباشر بين العبد والرب . وصلة مباشرة بين المخلوق والخالق . من أراد الأوبة من الشاردين فليؤب . ومن أراد الإنابة من الضالين , فلينب . ومن أراد الاستسلام من العصاة فليستسلم . وليأت . . ليأت وليدخل فالباب مفتوح . والفيء والظل والندى والرخاء:كله وراء الباب لا حاجب دونه ولا حسيب !
وهيا . هيا قبل فوات الأوان . هيا (من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) . . فما هنالك من نصير . هيا فالوقت غير مضمون . وقد يفصل في الأمر وتغلق الأبواب في أية لحظة من لحظات الليل والنهار . هيا .
ــــــــــــــ
(1) - مسند أحمد (2675) ومصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 180) (35342) صحيح لغيره
(2) - الدعاء للطبراني -العلمية - (ج 1 / ص 509) ( 1803 ) حسن لغيره
(3) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 4 / ص 212) (3893) صحيح لغيره
(4) - المستدرك للحاكم (7623) صحيح لغيره
(5) -مسند أبي يعلى الموصلي (4226) والصحيحة (1951) صحيح لغيره