قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) } [آل عمران/21، 22]
يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ الذِينَ ارْتَكَبُوا المَآثِمَ وَالمَحَارِمَ بِكُفْرِهُمْ بِاللهِ وَآيَاتِهِ ، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ الذِينَ يَدُعُونَ إلى اللهِ وَإِلى اتِّبَاعِ الحَقِّ . وَالمَقْصُودُونَ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، الذِينَ قَتَلُوا عَدَدًا مِن أنْبِياءِ اللهِ فِي يَومٍ وَاحِدٍ اسْتِكْبارًا ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِالذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيا ، وَبَشَّرَهُمْ بِعَذَابٍ أليمٍ مُهِينٍ فِي الآخِرةِ ، لأنَّ هَذَا هُوَ جَزَاءُ جُرْمِهِمْ وَصَنِيعِهِمْ .
قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ:"يَا أبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائيل ثَلاَثَةً وَأرْبَعينَ نَبِيًا أوَّلَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . فَقَامَ مِئَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ بَني إسْرَائيلَ فَأمَروا القَتَلَةَ بِالمَعْرُوفِ ، وَنَهَوْهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ أخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمْ الذِينَ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ" ( أخْرَجَهُ ابْنُ أبي حَاتِمٍ ) .
وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّ الذِينَ يَرْتَكِبُونَ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ يُهْلِكُ اللهُ أعْمَالَهُمْ وَيُبْطِلُها فِي الدُّنْيا ، فَلاَ يَنَالُونَ عَليها حَمْدًا ، وَلا ثَنَاءً مِنَ النَّاس . وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ ، وَهَتَكَ أسْتَارَهُمْ وَأبْدَى مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبَائِحِ أعْمَالِهِمْ ، عَلَى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ وَرُسُلِهِ . وَقَدْ أعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ، العَذَابَ الألِيمَ وَالخُلُودَ فِي جَهَنَّمَ ، وَلَنْ يَجِدُوا لَهُمْ مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنْ بَأسِ اللهِ .
وقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) } [الأعراف/147 ]
وَالذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ، وَكُتُبِهِ ، المُنَزَّلَةِ بِالحَقِّ وَالهُدَى ، عَلَى رُسُلِهِ ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا ، وَلَمْ يَهْتَدُوا ، وَكَذَّبُوا بِمَا يَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ: مِنْ ثَوَابٍ عَلَى الخَيْرِ ، وَعِقَابٍ عَلَى الشَّرِّ . . فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ تَهْلَكُ وَتَتَلاَشَى وَتَذْهَبُ سُدًى ( تَحْبَطُ ) ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا لِغَيْرِ اللهِ ، وَأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي غَيْرِ مَا يُرْضِي اللهَ ، فَتَصِيرُ أَعْمَالُهُمْ وَبَالًا عَلَيْهِمْ ، وَلاَ يُجْزَوْنَ إلاَّ عَلَى الأَعْمَالِ التِي قَامُوا بِهَا مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي ، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ بِأَنْ جَعَلَ الجَزَاءَ فِي الآخِرَةِ أَثَرًا لِلْعَمَلِ فِي الدُّنْيا ، وَلاَ يَظْلِمُ اللهُ تَعَالَى أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ أَبَدًا .
وقال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) } [التوبة/17]
لا يَنْبَغِي لِلمُشْرِكِينَ بِاللهِ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ التِي بُنِيَتْ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ - وَمِنْهَا المَسْجِدُ الحَرَامِ - بِالإِقَامَةِ فِيهَا لِلعِبَادَةِ ، أَوْ لِلخِدْمَةِ أَوْ لِلوِلاَيَةِ عَلَيْهَا ، وَلاَ يَزُورُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ حُجَّاجًا وَمُعْتَمِرِينَ ، وَقَدْ شَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ، قَوْلًا وَعَمَلًا ، بِعِبَادَتِهِم الأصْنَامَ ، والاسْتِشْفَاع بِهَا ، وَالسُّجُودِ لِمَا وَضَعُوهُ مِنْهَا فِي الكَعْبَةِ عَقِبَ كُلِّ شَوْطٍ مِنْ طَوَافِهِمْ ، إِذْ أنَّ عَمَلهُمْ هَذا يُعْتَبَرُ جَمْعًا لِلنَّقِيضَينِ ، فَإنَّ عِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ الحِسِّيَّةِ إِنَّمَا تَكُونُ بِعِمَارَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ بِالعِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ ، وَذَلِكَ لا يَقَعُ إلا مِنَ المُؤْمِنِ المُوَحِّدِ . أمَّا المُشْرِكُونَ فَإنهُمْ يُشْرِكُونَ بِالعِبَادَةِ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ ، وَيُسَاوُونَ اللهَ بِبَعْضِ خَلْقِهِ فِي العِبَادَةِ ، وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ بِاللهِ ، وَالكَافِرُونَ بِهِ ، هَلَكَتْ أَعْمَالُهُمْ التِي يَفْخَرُونَ بِهَا: مِنْ عِمَارَةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَسِقَايَةِ الحُجَّاجِ ، وَقِرَى الضَّيفِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، . . . بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ ، وَسَيَكُونُونَ فِي جَهَنَّمَ خَالِدِينَ أَبَدًا .
وقال تعالى: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف/103-106]
قُلْ ، أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ بِالبَاطِلِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا؟ إِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللهَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ يَرْضَاهَا تَعَالَى ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِيهَا ، وَأَنَّ عَمَلَهُمْ مَقْبُولٌ . وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ مُخْطِئُونَ وَاهِمُونَ ، وَعَمَلُهُمْ مَرْدُودٌ .
يُفَسِّرُ اللهُ تَعَالَى هُنَا مَعْنَى ( الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ) ، وَيَدُلٌّ عَلَيْهِمْ ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمُ الَّذِينَ عَمِلُوا أَعْمَالًا بَاطِلَةً عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الهُدَى وَالصَّوَابِ ، وَأَنَّهُمْ مَقْبُولُونَ وَمَحْبُوبُونَ ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ حَسَنَةٌ يَقْبَلُهَا اللهُ تَعَالَى .
وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ، وَكَفَرُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَكَفَرُوا بِحُجَجِ رَبِّهِمْ وَبَرَاهِينِهِ وَدَلاَئِلِهِ التِي أَقَامَهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ ، وَكَذَّبُوا بِالآخِرَةِ وَالحِسَابِ ، فَهَلَكَتْ أَعْمَالُهُمْ وَبَطَلَتْ ( حَبِطَتْ ) ، فَلاَ تَزِنُ أَعْمَالُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ شَيْئًا ، وَلاَ يَكُونُ فِي كَفَّةِ أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَلٌ صَالِحٌ يُرَجِّحُهَا ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ عَمَلِ خَيْرٍ ، وَالمَوَازِينُ لاَ تَرْجَحُ وَلاَ تَثْقُلُ إِلاَّ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّهُ لَيَأْتِى الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ اقْرَءُوا ( فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) » [1] .
وَيَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَقَدْ جَازَاهُمُ اللهُ بِهَذا الجَزَاءِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَاتِّخَاذِهِمْ ، آيَاتِ اللهِ وَرُسُلِهِ وَنُذُرِهِ هُزْوًا ، فَاسْتَهْزَؤُوا وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ .
ــــــــــــــ
(1) - صحيح البخارى (4729 ) ومسلم (7222 )