( السَّبَبُ الْعَاشِرُ ) : رَحْمَةُ اللَّهِ وَعَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْعِبَادِ [1] .
فالله تعالى من صفاته أنه الرحمن الرحيم ،و { الرحمن الرحيم } صفتان مشتقتان من الرحمة . والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضى الإِحسان ، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله - تعالى- ، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان . وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه .
والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها ، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإِحسان .
وقد كثرت أقوال المفسرين في العلاقة بين هاتين الصفتين ، فبعضهم يرى أن { الرحمن } هو المنعم على جميع الخلق . وأن { الرحيم } هو المنعم على المؤمنين خاصة . ويرى آخرون أن { الرحمن } هو المنعم بجلائل النعم ، وأن { الرحيم } هو المنعم بدقائقها .
ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثاني منهما تأكيد للأول . والذي يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد ، بل روعي في كل منهما معنى لم يراع في الآخر ، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران . والرحيم بمعنى دائم الرحمة ، لأن صيغته فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف . فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة .
أو أن { الرحمن } صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة والإِحسان . و { الرحيم } صفة فعل تدلُّ على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه .
ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ في أسماء الذات . قال - تعالى-: { الرحمن عَلَّمَ القرآن } و { الرحمن عَلَى العرش استوى } { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } وهكذا . . .
أمَّا لفظ الرحيم فقد كثر في القرآن استعماله وصفًا فعليًا ، وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه . قال - تعالى - { إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيمًا } { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } إلخ .
قال بعض العلماء"وهذا الرأي في نظرنا هو أقوى الآراء ، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه ، كما أنه ليس مستساغًا أن يقال في القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها" [2] .
إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء . إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة ، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية .
إن الربَّ الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق . ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في « العهد القديم » كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين . [3]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" [4] .
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - سَبْىٌ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى ، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ ، فَقَالَ لَنَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ » . قُلْنَا لاَ وَهْىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ . فَقَالَ « اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا » [5] .
وعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: كَانَ صَبِيٌّ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ فَمَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَهُ نَاسٌ فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْقَوْمَ خَشِيَتْ أَنْ يُوطَأَ ابْنُهَا فَسَمِعَتْ فَحَمَلَتْهُ ، فَقَالَتِ: ابْنِي ، ابْنِي ، قَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَانَتْ هَذِهِ لِيُلْقَى ابْنُهَا فِي النَّارِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَلا اللَّهُ يُلْقِي حَبِيبَهُ فِي النَّارِ" [6] "
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ سَبْيٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ فِي السَّبْيِ تَحْلِبُ ثَدْيَهَا كُلَّمَا أَوْ إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ ، إِذْ أَخَذُوا فَرْخَ طَيْرٍ ، فَأَقْبَلَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حَتَّى سَقَطَ فِي أَيْدِي الَّذِي أَخَذَ الْفَرْخَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَلا تَعْجَبُونَ لِهَذَا الطَّيْرِ أُخِذَ فَرْخُهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَاللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ هَذَا الطَّيْرِ بِفَرْخِهِ. [7]
وقال تعالى: { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (11) سورة يونس
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ ، وَيَقُولُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِالشَّرِّ فِي حَاَل ضَجَرِهِمْ وَغَضَبِهِمْ ، لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ ذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ لُطْفًا مِنْهُ ، وَرَحْمَةً بِهِمْ .
أَمَّا إِذَا دَعَوا لأَنْفُسِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ . وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوِ اسْتَجَابَ لَهُمْ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لأَهْلَكَهُمْ . وَيَتْرُكُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَلاَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ فِي الآخِرَةِ ، سَادِرِينَ فِي غَيِّهِمْ ، مُسْتَمِرِّينَ فِي طُغْيَانِهِمْ ، مُتَحَيِّرِينَ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ ، حَتَّى يَجِيءَ اليَوْمُ الذِي وَعَدَهُمُ اللهُ بِهِ .
وقال تعالى: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا} (11) سورة الإسراء
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَجَلَةِ الإِنْسَانِ ، وَدُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ بِالشَّرِّ حِينَ الغَضَبِ ، كَمَا يُسَارِعُ إِلَى الدُّعَاءِ فِي الخَيْرِ ، فَلَوِ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ لأَهْلَكَهُ وَأَهْلَكَ أَهْلَهُ . وَالَّذِي يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى ذلِكَ هُوَ قَلَقُهُ ، وَعَجَلَتُهُ ، وَقِلَّةُ صَبْرِهِ .
وقال تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} (156) سورة الأعراف
وَأَثْبِتْ لَنَا ، بِرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ { واكتب لَنَا } حَيَاةً طَيِّبَةً فِي هذِهِ الدُّنيا ، مِنْ عَافِيةٍ وَبَسْطَةٍ في الرِّزْقِ ، وَتَوْفِيقٍ لِطَاعَةِ ، وَمَثُوبَةٍ حَسَنَةٍ فِي الآخِرَةِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ ، وَنَيْلِ رِضْوَانِكَ ، إِنَّنَا تُبْنَا إِلَيْكَ { هُدْنَآ إِلَيْكَ } مِمَّا فَرَطَ مِنْ سُفَهَائِنَا مِنْ عِبَادَةِ العِجْلِ ، وَمِنْ تَقْصِيرِ العُقَلاءِ مِنّا فِي نَهْيِهِمْ وَالإِنْكَارِ عَلَيهِمْ .
وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دُعَاءِ مُوسَى قَائِلًا: لَقَدْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابِي خَاصًّا أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ مِنَ الكُفَّارِ وَالعُصَاةِ ، الذِينَ لَمْ يَتُوبُوا ، أَمَّا رَحْمَتِي فَقَدْ وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ ، وَسَأُثْبِتُ رَحْمَتِي بِمَشِيئَتِي لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الكُفْرَ وَالمَعَاصِيَ ، وَيُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ ، وَيُؤْتُونَ الصَّدَقَاتِ التِي تَتَزَكَّى بِهَا نُفُوسُهُمْ ، وَلِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَيُصَدِّقُونَ بِجَمِيعِ آيَاتِي الدَّالَّةِ عَلَى الوحْدَانِيَّةِ ، وَيُصَدِّقُونَ رُسُلِي ، وَمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ
وقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) [الكهف/57-59] }
وَلاَ أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَكْثَرُ ظُلْمًا مِمَّنْ وُعِظَ بِآيَاتِ اللهِ ، وَدَلَّ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْهَا ، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهَا ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي عَوَاقِبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الظُّلْمِ ، وَالكُفْرِ ، وَالمَعَاصِي ( نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) ، فَلَمْ يُنِبْ إِلَى اللهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ تَائِبًا مُسْتَغْفِرًا .
وَقَدْ كَانَ إِعْرَاضُ الكَافِرِينَ عَمَّا ذَكَرُوا لأَنَّ اللهَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً وَأَغْلِفَةً لِكَيْلاَ يَفْقَهُوا مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ ( أَكْنَّةً ) وَلأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَثِقَلًا لِكَيْلاَ يَسْمَعُوهُ . وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَتَكَ إِيَّاهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ ، لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ ، وَلَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا أَبَدًا .
وَرَبُّكَ هُوَ اللهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ، يُمْهِلُ النَّاسَ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيُؤْمِنُونَ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ ، فَيَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، وَيَرْحَمَهُمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَلَوْ أَنَّهُ آخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، لَعَجَّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ وَلأَهْلَكَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا مُعَيَّنًا لاَ مَهْرَبَ لَهُمْ مِنْهُ ، وَلاَ مُحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ .
وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [يونس/57-59]
يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ بِإِنْزَالِهِ القُرْآنَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدُ صلى الله عليه وسلم وَفِيهِ زَاجِرٌ عَنِ الغَيِّ ، وَعَنِ الفَوَاحِشِ ، وَفِيهِ شِفَاءٌ لِلصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالرِّيَبِ ، وَالقُرْآنُ يَهْدِي المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَأْخُذُونَ بِهِ ، وَيُؤَدِّي بِهُمْ إِلَى إِدْخَالِهِمْ فِي رَحْمَةِ اللهِ .
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُبَلِّغَ المُؤْمِنِينَ ، بِأَنَّهُ يَحُقُّ لَهُمْ أَنْ يَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْهِمْ ، وَبِنِعْمَةِ الإِيمَانِ ، وَبِالرَّحْمَةِ الخَاصَّةِ بِهِمْ ، وَبِمَا جَاءَهُمْ مِنَ الهُدَى وَدِينِ الحَقِّ ، فَذَلِكَ أَوْلَى بِهِمْ أَنْ يَفْرَحُوا بِهِ ، وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُهُ النَّاسُ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيا الزَّائِلَةِ الفَانِيَةِ .
وقال تعالى: { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) } [الزخرف/31-35]
وَقَالُوا كَالمُعْتَرِضِينَ عَلَى اخْتِيَارِ اللهِ رَسُولَهُ الكَرِيمَ: إِنَّ مَنْصِبَ الرِّسَالَةِ مَنْصِبٌ شَرِيفٌ ، فَلاَ يَلِيقُ إِلاَّ بِرَجُلٍ شَرِيفٍ عَظِيمِ الجَاهِ كَثِيرِ الثَّرَاءِ مِنْ أَهْلِ مَكَةَ أَوْ مِنْ أهْلِ الطَّائِفِ ( القَرْيَتِينِ ) لأَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذَلِكَ الغَنيِّ العَظِيمِ الجَاهِ .
يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ مَا قَالُوا رَدًّا عَلَى اعْتِرَاضِهِمْ هَذَا: إِنَّ أَمْرَ اخْتِيَارِ الأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مَرْدُودًا إِلَيْهِم حَتَّى يَقْتَرِحُوا عَلَى اللهِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ هُمْ ، وَلَكِنَّ الأَمْرَ للهِ ، وَحْدَهُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَته ، فَهُوَ لاَ يُنَزِّلُهَا إِلاَّ عَلَى أَزْكَى الخَلْقِ قَلْبًا وَنَفْسًا ، وَأَشْرَفِهِمْ بَيْتًا ، وَأَطْهَرِهِمْ أَصْلًا .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ العِبَادِ عَلَى بَعْضٍ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا: فِي القُوَّةِ والغِنَى وَالشُّهْرَةِ والنَّشَاطِ ، لأَنَّهُ لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمْ جَمِيعًا فِي شُرُوطِ الحَيَاةِ لَمْ يَخْدُمْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَلَمْ يَسْتَخْدِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحْدًا ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ فَسَادُ نِظَامِ الحَيَاةِ .
وَرَحْمَةُ اللهِ بِخَلْقِهِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأَمْوَالِ ، والمَتَاعِ فِي الحِيَاةِ الدُّنْيَا .
وَلَوْلاَ أَنْ يَعْتَقِدَ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ أَنَّ عَطَاءَ اللهِ المَالَ للنَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى مَحَبَّتِهِ تَعَالَى لِمَنْ يُعْطِيهِ فَيَجْتَمِعُوا عَلَى الكُفْرِ لأَجْلِ المَالِ ، وَيَرْغَبُوا فِيهِ إِذَا رَأَوْا سعَةَ الرِّزْقِ ، لَجَعَلَ اللهُ لِبُيُوتِ مَنْ يَكْفرُ بِهِ سُقُوفًا مِنْ فَضَّةٍ ، وَسَلاَلَم مِنْ فِضَّةٍ يَصْعَدُونَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ لِهَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ .
وَلَجَعَلَ لِبُيوتِهِمْ أَبْوَابًا مِنْ فِضَّةٍ وَسُرُرًا مِنْ فِضَّةٍ ، يَتَّكِئُونَ عَلَيْهَا .
وَلَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِبُيوتِهِمْ زَخَارِفَ وَزِينَةً فِي كُلِّ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ مِنْ شُؤُونِ الحَيَاةِ ، وَلَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلاَّ مَتَاعٌ قَصِيرٌ زَائِلٌ ، وَالآخِرَةُ بِمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ لاَ يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ هِيَ خَالِصَةٌ لِلْمُتَّقِينَ الذِينَ يَخَافُونَ رَبَّهُم لاَ يُشَارِكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ غَيْرهُمْ .
الفصل الخامس
الحث على التوبة
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) } [البقرة/159، 160]
يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى بِاللَّعْنَةِ الذِينَ يَكْتُمُونَ الحَقَّ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلى النَّاسِ فِي كُتُبِهِ مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ ، وَالهُدَى النَّافِعِ ، وَيَقْصُدُ بِهِمْ أَهْلَ الكِتَابِ ، الذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ النَّبِيِّ التِي وَرَدَتْ في كُتُبِهِمْ ، وَمَا بَشَّرَتْ بِهِ هذِهِ الكُتُبُ مِنْ قُربِ مَبْعَثِ نَبِيٍّ عَرَبيٍّ ، يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنينَ . فَهؤُلاءِ الذِينَ يَكْتُمُونَ دِينَ اللهِ وَأَوامِرَهُ عَنِ النَّاسِ لِيُضِلُّوهُمْ ، وَيَصْرِفُوهُمْ عَنِ الحَقِّ ، فَإِنَّ الله يَلعَنُهُمُ ، وَتَلْعَنُهُمُ المَلاَئِكَةُ والمُؤْمِنُونَ ( الَّلاعِنُونَ ) .
( وحُكْمُ هذِهِ الآيةِ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا فَرَضَ اللهُ بَيَانَهُ لِلناسِ ، وَلِذلِكَ قَالَ الأَئِمَّةُ: إِنَّ الذِي يَرَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنْتَهَكُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ ، وَالدِّينَ يُداسُ جَهَارًا بَيْنَ يَدَيهِ ، وَالضَّلاَلَ يَغْشَى الهُدَى ، ثُمَّ هُوَ لاَ يَنْتَصِرُ لِدِينِ اللهِ يَكُونُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ وَعِيدَ اللهِ ) .
وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالى مِنَ الَّلعْنَةِ الذِينَ تَابُوا وَأَحْسَنُوا العَمَلَ ، وَرَجَعُوا عَنْ كِتْمَانِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَأَظْهَرُوا لِلنَّاسِ مَا عَلِمُوهُ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ وَالرِّسَالَةِ ، وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ يَتَقَبَّلُ تَوْبَتَهُمْ ، وَيَعْفُو عَنْهُمْ ، وَيَمْحُو ذُنُوبَهُمْ .
ــــــــــــــ
(1) - - انظر فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 1186) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2446) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 983) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 686)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1)
(3) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 4)
(4) - صحيح البخارى (7422 )
(5) - صحيح البخارى (5999 )
(6) - المستدرك للحاكم (194) صحيح
(7) - مسند البزار (287) صحيح