الفصل السابع
كفارات ترك بعض الواجبات أو ارتكاب بعض المحرمات
أولا
عدم المؤاخذة على يمين اللغو
قال تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (225) سورة البقرة
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ - مَا يَجْرِي عَلَى الِلسَانِ مِمّا لاَ يُقْصَدُ بِهِ اليَمِينُ .
لا يُؤَاخِذُ اللهُ المُؤْمِنينَ وَلا يُعَاقِبُهُمْ عَمَّا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ أيمَانٍ لاَغِيَةٍ لَمْ يُقْصَدْ بِها الحَلْفُ وَعَقْدُ اليَمِينِ ، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ عَادَةً مِنْ غيرِ عَقْدٍ وَلاَ تَوْكِيدٍ ( كَقَولِ الرَّجُلِ بَلَى وَاللهِ ، وَلا وَاللهِ ، فَذَلِكَ لاَ إِثْمَ فِيهَ وَلا كَفَّارَةَ ) وَلكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤَاخِذُ الذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيءِ وَهُوَ يَقْصُدُ عَقْدَ اليَمِين ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ، وَاللهُ غَفُورٌ لِعِبَادِهِ التَّائِبينَ ، حَليمٌ عَلَيهِمْ [1] .
وَالْيَمِينُ اللَّغْوُ: اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا أَيْضًا ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ خَطَأً أَوْ غَلَطًا فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَال ، وَهِيَ: أَنْ يُخْبِرَ إِنْسَانٌ عَنِ الْمَاضِي أَوْ عَنِ الْحَال عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ ، وَهُوَ بِخِلاَفِهِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي النَّفْيِ أَمْ فِي الإِْثْبَاتِ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ إِقْسَامًا بِاللَّهِ تَعَالَى أَمْ تَعْلِيقًا لِلْكُفْرِ ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ كَلَّمَهُ .
هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْمُتُونِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ .
وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّغْوَ: مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ ، أَيْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ اللَّغْوِ ، فَيَكُونُ اللَّغْوُ عِنْدَهُمْ نَوْعَيْنِ وَكِلاَهُمَا فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ دُونَ الْمُسْتَقْبَل .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ اللَّغْوَ هُوَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ عَلَى سَبِيل الْجَزْمِ أَوِ الظَّنِّ الْقَوِيِّ فَيَظْهَرُ خِلاَفُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إِثْبَاتًا أَمْ نَفْيًا ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَاضِيًا أَمْ حَاضِرًا أَمْ مُسْتَقْبَلًا [2] .
وَيُلاَحَظُ أَنَّهُمْ مَثَّلُوا بِالْمُسْتَقْبَل بِمَا لَوْ قَال"وَاللَّهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا"مَعَ الْجَزْمِ أَوِ الظَّنِّ الْقَوِيِّ بِفِعْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْيَمِينُ اللَّغْوُ هِيَ الَّتِي يُسْبَقُ اللِّسَانُ إِلَى لَفْظِهَا بِلاَ قَصْدٍ لِمَعْنَاهَا ، كَقَوْلِهِمْ"لاَ وَاللَّهِ""وَبَلَى وَاللَّهِ"فِي نَحْوِ صِلَةِ كَلاَمٍ أَوْ غَضَبٍ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي أَمِ الْحَال أَمِ الْمُسْتَقْبَل .
وَهُمْ يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي هَذَا الأَْخِيرِ ، وَهُوَ مَا كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَل . [3]
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ ، وَوَافَقُوهُمْ أَيْضًا فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا جَاهِلًا صَدَّقَ نَفْسَهُ ، أَوْ ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ ، فَتَبَيَّنَ خِلاَفُهُ لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ لَغْوًا يُوَافِقُهُمُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُكْمِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوهُ لَغْوًا . وَنَقَل صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى عَنِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ ظَانًّا صِدْقَ نَفْسِهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلاَفِهِ لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، وَكَذَا مَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ ظَانًّا أَنَّهُ يُطِيعُهُ فَلَمْ يَفْعَل فَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ أَيْضًا ؛ لأَِنَّهُ لَغْوٌ ، ثُمَّ قَال: وَالْمَذْهَبُ خِلاَفُهُ . [4]
ثُمَّ مِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآْيَةِ: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (89) سورة المائدة , أَيْ حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِمَا يَأْتِي فِي بَيَانِ حُكْمِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى .
وَوَجْهُ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -أنها قالت: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ ) فِى قَوْلِ الرَّجُلِ لاَ وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ . [5]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا شَهِدَتِ التَّنْزِيل، وَقَدْ جَزَمَتْ بِأَنَّ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْل الأَْوْطَارِ: إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ قَدْ دَل عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي يَمِينِ اللَّغْوِ ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الإِْثْمَ وَالْكَفَّارَةَ ، فَلاَ يَجِبَانِ ، وَالْمُتَوَجَّهُ الرُّجُوعُ فِي مَعْرِفَةِ مَعْنَى اللَّغْوِ إِلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَأَهْل عَصْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِمَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لأَِنَّهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْل اللُّغَةِ قَدْ كَانُوا مِنْ أَهْل الشَّرْعِ وَمِنَ الْمُشَاهِدِينَ لِلرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَاضِرِينَ فِي أَيَّامِ النُّزُول ، فَإِذَا صَحَّ عَنْ أَحَدِهِمْ تَفْسِيرٌ لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُرَجَّحُ عَلَيْهِ أَوْ يُسَاوِيهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ مَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ اللَّفْظِ ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي نَقَلَهُ إِلَيْهِ شَرْعِيًّا لاَ لُغَوِيًّا ، وَالشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَوِيِّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الأُْصُول ، فَكَانَ الْحَقُّ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ ، هُوَ أَنَّ اللَّغْوَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . [6]
فَثَبَتَ أَنَّ الْيَمِينَ اللَّغْوَ هِيَ الَّتِي لاَ يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ .
وَأَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابَل الْيَمِينَ اللَّغْوَ بِالْيَمِينِ الْمَكْسُوبَةِ بِالْقَلْبِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (225) سورة البقرة.
وَالْمَكْسُوبَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ ، فَكَانَتْ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ دَاخِلَةً فِي قِسْمِ اللَّغْوِ بِلاَ فَصْلٍ بَيْنَ مَاضِيهِ وَحَالِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ .
وَوَجْهُ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل قَابَل اللَّغْوَ بِالْمَعْقُودَةِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِالْمُؤَاخَذَةِ وَنَفْيِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ اللَّغْوُ غَيْرَ الْمَعْقُودَةِ تَحْقِيقًا لِلْمُقَابَلَةِ ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَل مَعْقُودَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَقْصُودَةً أَمْ لاَ ، فَلاَ تَكُونُ لَغْوًا . [7]
وَأَيْضًا اللَّغْوُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي لاَ حَقِيقَةَ لَهُ ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا} (25) سورة الواقعة، أَيْ بَاطِلًا ، وَقَال عَزَّ وَجَل خَبَرًا عَنِ الْكَفَرَةِ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) سورة فصلت، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْحَلِفِ عَلَى ظَنٍّ مِنَ الْحَالِفِ أَنَّ الأَْمْرَ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَالْحَقِيقَةُ بِخِلاَفِهِ ، وَكَذَا مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَكِنْ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَال . [8] فَهُوَ مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُل عَلَى الشَّيْءِ يَرَاهُ حَقًّا وَلَيْسَ بِحَقٍّ [9] .
وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ اللَّغْوَ فِي الأَْيْمَانِ قَوْل الرَّجُل لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ ، إِنَّمَا أَرَدْتُ بِهِ التَّمْثِيل لاَ الْحَصْرَ ، وَأَيْضًا إِنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَاضِي وَالْحَاضِرِ لِيَكُونَ النَّوْعَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ . [10]
وقال ابن حزم:"وَلَغْوُ الْيَمِينِ لاَ كَفَّارَةَ فِيهِ , وَلاَ إثْمَ , وَهُوَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمَرْءُ وَهُوَ لاَ يَشُكُّ فِي أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَمَالِكٍ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ."
وَالثَّانِي: مَا جَرَى بِهِ لِسَانُ الْمَرْءِ فِي خِلاَلِ كَلاَمِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَيَقُولُ فِي أَثْنَاءِ كَلاَمِهِ: لاَ وَاَللَّهِ , وَأَيْ وَاَللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ. وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِبَعْضِ بَنِيهِ: لَقَدْ حَفِظْت عَلَيْك فِي هَذَا الْمَجْلِسِ أَحَدَ عَشَرَ يَمِينًا , وَلاَ يَأْمُرُهُ بِكَفَّارَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا عَطَاءً أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ سَأَلَهَا عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لاَ وَاَللَّهِ , وَبَلَى وَاَللَّهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِي اللَّغْوِ: هُوَ قَوْلُ الْقَوْمِ يَتَدَارَءُونَ فِي الأَمْرِ يَقُولُ هَذَا: لاَ وَاَللَّهِ , وَبَلَى وَاَللَّهِ , وَكَلاَ وَاَللَّهِ , وَلاَ تَعْقِدُ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , وَعَطَاءٍ , وَإِبْرَاهِيمَ , وَالشَّعْبِيِّ , وَعِكْرِمَةَ , وَمُجَاهِدٍ , وطَاوُوس , وَالْحَسَنِ , وَالزُّهْرِيِّ , وَأَبِي قِلاَبَةَ , وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلاَ يَصِحُّ عَنْهُ ; لأََنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ: لَغْوُ الْيَمِينِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ هَذَا وَاَللَّهِ فُلاَنٌ , وَلَيْسَ بِفُلاَنٍ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْحَسَنِ , وَإِبْرَاهِيمَ , وَالشَّعْبِيِّ , وَمُجَاهِدٍ , وَقَتَادَةَ , وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , وَالأَوْزَاعِيِّ , وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ , وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ , وَغَيْرِهِمْ.
قال أبو محمد رحمه الله: أَمَّا قَوْلُ الْمَرْءِ: لاَ وَاَللَّهِ , وَأَيْ وَاَللَّهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ , فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ لاَ إشْكَالَ فِيهِ ; لأََنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ , كَمَا قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، رضي الله عنها ،.
وَأَمَّا مَنْ أَقْسَمَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ يَرَى , وَلاَ يَشُكُّ فِي أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ الْحِنْثَ , وَلاَ قَصَدَ لَهُ , وَلاَ حِنْثَ إِلاَّ عَلَى مَنْ قَصَدَ إلَيْهِ" [11] "
ــــــــــــــ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 232)
(2) - الشرح الصغير بحاشية الصاوي 1 / 331 .
(3) - أسنى المطالب 4 / 241 ، وتحفة المحتاج 8 / 216 ، ونهاية المحتاج 8 / 169 - 170 ، والبجيرمي على المنهاج 4 / 316 ، والباجوري على ابن قاسم 2 / 324 .
(4) - مطالب أولي النهى 6 / 367 - 368 .
(5) - صحيح البخارى (4613 )
(6) - نيل الأوطار 8 / 236 .
(7) - هكذا في البدائع 33 / 4 ، وقد يقال: لا دليل على كون اليمين المعقودة تشمل غير المقصودة ، وقد يجاب بأن المعقودة هي التي علقت على أمر ، فيتمكن الحالف من البر والحنث فيها ، فإذا كانت غير مقصودة لم ينسد على الحالف باب البر فيها ، بخلاف الماضية والحاضرة فليتأمل
(8) - قوله لكن في الماضي والحال . كذا في البدائع . وتجري فيه المناقشة والجواب السابقان .
(9) - تفسير الطبري - (ج 4 / ص 432) (4403 ) وفيه ضعف
وروى ابن جرير أيضا آثارا تشبهه عن أبي هريرة وسليمان ابن يسار والحسن البصري ومجاهد وابن أبي نجيح وإبراهيم النخعي وأبي مالك وقتادة وزرارة بن أوفى والسدي ويحيى بن أبي سعيد وابن أبي طلحة ومكحول رحمهم الله .
(10) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 7 / ص 283)
(11) - المحلى لابن حزم - (ج 3 / ص 486)